تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشتق عند الأصوليين — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
والأخرى : الأمر بالإرادة التشريعية . واما الفلاسفة فحملوا الأمر على نوع آخر من الخلق أعلى من عالم الخلق . سموه بعالم الأمر . وصدر من بعضهم أنه قال : ان ما قال له اللّه سبحانه : كن فيكون ، هو عالم الخلق . واما عالم الأمر فلم يقل له كن فيكون . كما في قوله تعالى :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
. فهذا ليس من عالم الخلق بل هو أعلى منه في عالم السنخية والتجرد . وكلاهما من صنع اللّه وتدبيره ، وكلاهما خارجي جزئي ومنتسبان إلى اللّه سبحانه . فالخلق ينتسب ( بكن ) والأمر عبّر عنه بخلقت بيدي . وقالوا : ان الروح العليا للإنسان هي من عالم الأمر وليس من عالم الخلق . وكذلك سنخ من الملائكة كالكروبيين . والفهم الثالث الذي نقدمه هو ان عالم الخلق هو عالم الخارج ، وعالم الأمر هو عالم الواقع ، فقوله : بيده الخلق والأمر : أي عالم الخارج وعالم الواقع . وهنا يأتي إشكال : وهو ان كون عالم الخلق بيد اللّه سبحانه ، أي إيجاد الخلق وتدبيره ، أمر مفهوم ومتصور . ولكن كون عالم الواقع كذلك يحتاج إلى دليل . لأنه ليس موجودا خارجيا متصف بالوجود بالمعنى المفهوم ليكون للّه سبحانه . بل هي أمور ثابتة وأزلية ، لا ترتبط بإرادة اللّه تعالى . وجوابه : ان هناك عدة قنوات يستطيع الفاعل المختار ، خالقا ومخلوقا ، التأثير من خلالها على عالم الواقع ، وهو - مجملا - : ان الخالق له لا أقل من حصتين من التأثير في عالم الواقع ، حصة اثباتية وحصة ثبوتية . اما الأولى : فإجمالها انه عرّفنا على عالم الواقع وأوصل خبره إلينا ، لأنه لا تدركه أية حاسة ، فقد كشفه سبحانه لنا إثباتا وجعل لعقولنا قابلية فهمه واستيعابه . فأصبح كلنا يعرف صغريات وتفصيلات عالم الواقع . واما الحصة الأخرى الثبوتية وهي : ان اللّه تعالى ينقل مصاديق من عالم الواقع إلى عالم الخارج . أي ان شيئا ما يقول له كن ، فهو موجود حتى يخاطبه ، وليس معدوما . فالمخاطب هو الماهية الواقعية . وهذه السيطرة ثبوتية . فإذن بيده الخلق والأمر .