وبراهين إثباتية « 1 » .
هامش
( 1 ) ولك أن تسأل :
أولًا : إنَّ الآية : ( 30 ) من سورة الروم ظاهرة في فطرية الدين لا خصوص التنبيه إلى فطرية وجود الله تعالى ، كما أنَّ الآية : ( 172 ) من سورة الأعراف ليست خاصّة بوجود الله تعالى ، لأنَّ الشهادة كانت على الربوبية ؟
وجوابه : إنَّ هذا المعنى وإن كان صحيحاً وقد دلّت عليه جملة من الروايات ، من قبيل ما رواه العياشي عن الأصبغ بن نباته عن الإمام علي عليه السلام ، قال : ( أتاه ابن الكوَّاء فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تبارك وتعالى هل كلَّم أحداً من ولد آدم قبل موسى ؟ فقال علي :
قد كلَّم الله جميع خلقه برّهم وفاجرهم ، وردّوا عليه الجواب
، فثقل ذلك على ابن الكوَّاء ولم يعرفه ، فقال له : كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال له : أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ، فقد أسمعهم كلامه وردّوا عليه الجواب ، كما تسمع في قول الله يا بن الكوَّاء : قَالُواْ بَلَى ، فقال لهم : إنِّي أنا الله لا إله إلَّا أنا ، وأنا الرحمن الرحيم ، فأقرُّوا له بالطاعة والربوبية ، وميَّز الرسل والأنبياء والأوصياء ، وأمر الخلق بطاعتهم فأقرُّوا بذلك في الميثاق ، فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك : شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنّا عن هذا غافلين ) . تفسير العياشي : ج 2 ، ص 41 ، ح 116 .
إلا أنه لابد من التنبيه إلى أنَّ الأُمور الفطرية ذات درجات ومراتب متفاوتة في الوضوح والخفاء ، وهي نتيجة طبيعية للتراتبية بين تلك الحقائق ، والشاهد على ذلك هو مراجعة التأريخ البشري ، حيث نجد أنَّ ظاهرة الإلحاد أقلّ من ظاهرة الشرك ، والأخير بدوره أقلّ من ظاهرة عدم الإيمان بنبوّة الخاتم صلى الله عليه وآله ، كما أنَّ الاختلاف على الإمامة أكبر من الاختلاف على النبوّة ، كلّ ذلك شاهد الاختلاف المُشار إليه ، وفي ضوئه تفاوت تركيز القرآن على المقولات الفطرية رغم أصالة فطريتها .
وأما ثانياً : إنَّ الفطرية التي جعلتموها حدّاً أوسط - لعدم الحاجة إلى الاستدلال - لا تكفي بعد أن كانت مُبتلاة بالغفلة ، فإنها هي التي تجعل من القضية نظرية على مستوى / / العلم الحصولي مهما كان تفسيركم للفطرة ؟
وجوابه : إنَّ فطرية عموم الدين في مُستوى معارفه وتشريعاته استناداً إلى ظهور الآية في العموم ، لا تعني عدم الحاجة إلى الاستدلال ، كمنبّه لما هو مغفول عنه ، بمعنى أنها تُوفّر العلم المركَّب والالتفات إلى ما هو المركوز في الفطرة ، فليس مُهمّتها حينئذٍ الإيصال إلى مجهول حيث لا مجهول ، وإنما توفير العلم بالعلم .
وهذا ما أشار إليه جملة من الأعلام ، قال صدر المُتألهين : ( اعلم يا أخا الحقيقة أيّدك الله بروح منه : أنَّ العلم كالجهل قد يكون بسيطاً ، وهو عبارة عن إدراك شيء مع الذهول عن ذلك الإدراك وعن التصديق بأنَّ المدرك ماذا ، وقد يكون مركّباً وهو عبارة عن إدراك شيء مع الشعور بهذا الإدراك وبأنَّ المدرك هو ذلك الشيء .
إذا تمهَّد هذا فنقول : إنَّ إدراك الحقّ تعالى على الوجه البسيط حاصل لكلّ أحد في أصل فطرته . . . وأما الإدراك المركّب سواء كان على وجه الكشف والشهود - كما يختصّ بخلّص الأولياء والعرفاء - أو بالعلم الاستدلالي - كما يحصل للعقلاء المتفكّرين في صفاته وآثاره - فهو ليس ممَّا هو حاصل للجميع وهو مناط التكليف والرسالة ، وفيه يتطرّق الخطأ والصواب ، وإليه يرجع حكم الكفر والإيمان والتفاضل بين العرفاء والمراتب بين الناس ، بخلاف النحو الأوّل فإنه لا يتطرّق إليه الخطاء والجهالة ) . انظر : الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 1 ، ص 116 - 118 .
وأما ثالثاً : إنَّ المقطع الذي نحن بصدده ليس هو في مقام الاستدلال والإثبات ، وإنما هو مُجرّد عرض تصوّري ، ومعه لا مُشكلة في فرض أنه يتحدّث عن وجود الله تعالى أيضاً ، لأنَّ المنفيَّ هو الاستدلال على فرض التنزّل لا أصل الحديث عن الوجود ؟
وجوابه : إنها التفاتة مقبولة ، ومن ثمَّ يُمكن التحفّظ على ظهور الآية في الحديث عن قضيَّتين ، هما : إثبات التوحيد بعد عرض وجوده تعالى . منه ( دام ظله ) . .