مُستمرّ ، وأما الواحد الأحد فمتمحّض في وحدانيته ؛ والحقيقة بطبيعتها واحدة ، تنتمي للمسانخ لها في وحدته ، بخلاف الزيف الذي يحمل وجوهاً كثيرة ، فانتماؤه
الطبيعي لذلك الشتات ؛ فكان النور توحيدياً وكانت الظلمات كُفرية وشركية ؛ فمن كفر بالطاغوت برئ من شتاته ، ومن آمن بالله تعالى اجتمع في وحدانيته ؛ بخلاف المقابل المُنتقل من الوحدة إلى الشتات ، فكان التعبير بالجمع في الظلمات كشفاً حقيقياً عن واقعية الشرك والكفر والانحراف والضلال ، والتعبير بالمفرد في النور كشفاً عن واقعية التوحيد .
قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
الصور الباطنية للطاغوتية
الكفر ستر الحقيقة الفطرية ، والطاغوتية تجاوز للحدود ، فناسب أن تكون هنالك علاقة وثيقة بينهما ، فكلاهما مُفضٍ للظلمات ، وهذه الظلمات المُكتسبة بفعل التوهّم والزيف تترك صورتها وأثرها على صاحبها ما دام حيّاً ، سواء كانت حياته دنيوية أم أُخروية ؛ فالظلمات التي اكتسبته نفسه في الدنيا لا بدَّ أن تبدو له في الآخرة ؛ ممَّا يعني أنَّ الذين دخلوا في عملية الإخراج من الظلمات إلى النور إذا لم تكتمل عملية إخراجهم فإنهم سوف يحملون معهم ظلماتهم المُتبقّية إلى يوم معادهم ؛ ولعلَّهم يُطهَّرون منها في عذاب البرزخ .
وعلى أيِّ حال ، فإنَّ جميع الموجودات الإمكانية مُتوجَّهة بحسب فطرتها الأصلية نحو غايات حقّة وأغراض صحيحة ، والجامع المُشترك هو الخير الأقصى ؛ ولكن في قبال هذه الغايات الحقَّة نشأت غايات أخرى وهمية ، زُيّنت للناس - إلا عباد الله المخلصين - فهم سالكون إليها في لبس وعماية من غير بصيرة ودراية ، فخرجوا بغاياتهم المُزيّفة وبشقاقهم للوليّ الحقّ من ولاية الحقِّ ، فهم ليسوا عباد الله في الحقيقة ولا الله مولاهم وسيدهم ، إنما وليّهم لا محالة