الانفصام وعدمه نسبياً ، تبعاً للتفاوت الملحوظ في كمال السالك ، فإنَّ كلّ طاعة منه وتصفية للباطن هي اندكاك في التمسّك ، وكلّ مخالفة منه هي انفصام لعروته بقدرها ، فإذا ما أتمّ السالك رسومه استوثق في تمسّكه ، بخلاف المُخلّ برسومه فإنه عرضة للسقوط ، ولهذا المعنى الباطني للعروة والتمسّك بها شواهد كثيرة تتعلَّق بسير أُناسٍ سقطوا في هلكة الدنيا ، فحاربوا أولياء الله وناصبوهم العداء ، وليس الكلام في ثلّة من الطلقاء والمنافقين ، فأُولئك ما أنابوا لله تعالى طرفة عين أبداً ، إنما الكلام في الذين جاهدوا بأموالهم وبذلوا مُهجهم في سبيل الله تعالى ، وكانوا قوَّامين صوَّامين ، لكنهم لم يُحسنوا تصفية باطنهم ، أو أنهم تركوا الأنا تخفق في داخلهم فوجدوا أنفسهم في قبال وليِّ الله بنحوٍ من الاستدراج ما التفتوا له .
وخير شاهد على ذلك ما وقع مِن بعضِ مَن طالما نافحوا وجلوا الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلم تُسعفهم سعادتهم وأسقطتهم شقوتهم الدفينة في فتنة حربهم لوصيّ رسول الله ووليِّ أمر المسلمين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ؛ وشواهد أُخرى من نفس جيش الإمام عليه السلام وأتباعه عندما آل الأمر إلى ولده الإمام الحسن عليه السلام ، فأسلم قائد جيشه نفسه للطلقاء لقاء حفنة دنانير خبَّأ الميل إليها وحبّ الدنيا وبقايا الأنا .
وهنالك شواهد أُخرى أعظم ممَّا ذكرنا ملأت سقطاتهم صفحات التأريخ ، ممَّن وأكبوا الأنبياء عليهم السلام ، فأحدهم يُسلِم عيسى عليه السلام بدراهم ، وهو من الحواريين ، وما إخوة يوسف عليه السلام الذين ترعرعوا في كنف النبوَّة إلا مثال حيّ لذلك ، وغيرهم ممَّن تركوا العمل بوصايا الأنبياء عليهم السلام ، وكان آخرهم أبناء هذه الأُمَّة الذين أوصاهم رسول الله صلى الله عليه وآله بعترته الطاهرة ثلاثاً وألزمهم بالتمسّك بهم وأن لا يتقدَّموهم ،
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 423
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٢٣