تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
بأنَّ الفطرة السليمة التي تُكره صاحبها على طلب كماله إنما تُكرهه على اتخاذ الإسلام ديناً ، وتوحيده عقيدة وسلوكاً ؛ فحقيقة نفي الإكراه في المورد هو لا إكراه بعد إكراه الفطرة ، ولا إكراه بعد حصول الجذبة .

قوله تعالى : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ

أسرار التبيين الإلهي إنَّ الرشد هو محض الكمال ، كما أنَّ الغيَّ هو محض النقص ؛ ومحض الكمال ذاته وصفاته سبحانه ، ومحض النقص شخص الطاغوت وصفاته ؛ وهذا الوجود بأسره يحكي كماله وجماله وجلاله ، وما عداه في مُدَّعي الكمال محض وهم ؛ فالوجود يحكيه ، والعدم - وهو محض هلاك - يحكي سواه ، فهل بعد هذه الحكاية في الوجود رشد أكثر ، وهل بعد هذه الحكاية في العدم غيّ أكبر ؛ فذلك هو الرشد وذلك هو الغيّ ، والوجود صفحات التبيين . من هنا فإنَّ جميع البيانات القرآنية والنبوية والولوية ، المولوية والإرشادية ، إنما هي صفحات دأبت في عكس كماله سبحانه ، فمن اتخذها طريقاً وخلَّف الدنيا وراءه بتكبيرة منه ، واتخذها مطيّة محكومة له كان الرشد سبيله ، وأما من أغمض الطرف عنها ، واتخذته الدنيا مطيّة لها كان الغيُّ مصيره ؛ فالتبيين تبيين لكماله ، وتبيين كماله تبيين لزيف غيره ، فكيف يُخطئ السالك طريقه ، وقد كفاه إصلاح نيّته وسريرته فيصلح كمال حاله ؟ ما ترك المالك الحقّ صفحة تنطق بوجوده إلّا وجعلها دليلًا على تبيين الرشد من الغيّ ، فالحاضر هو في كلّ من شمَّ وجوده ، والغائب ذلك الوهم الذي يُدعى بالطاغوت ، إذ لا دليل عليه سوى عدمه ، ولا كمال له سوى زيفه ؛ ذلك هو التبيين الذي انبسط على الوجود بأسره ، فإن امتلأ به السالك لربّه يكون قد أنهى سفره الأوّل ، لينطلق مع بيانات حقِّية جديدة ، يكون
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 420 | السيد كمال الحيدري