تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
التخلّف عنها قيد أنملة غيّاً ، والتمحّض والتمظهر فيها رشداً ، لينتهي إلى سفر ثالث وبيانات جديدة للرشد والغي ، حتى يكون المُسافر جذوة حقِّية لا يُبصر إلا ربَّه وبربِّه ، ولا يسمع إلا ربَّه وبربِّه ؛ فيكون أهلًا للصحو بعد المحو ، ويكون الفاني بفنائه بياناً على الحقِّ سبحانه ، ورُشداً في قبال الغيِّ .

قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ

القراءة التوحيدية بنفي الطاغوتية لا بدَّ من التخلية المطلقة من تبعات كلّ ظلمة ، وأُولى الظلمات وأشدُّها ظلمة النفس الناطقة بلسان الأنا ؛ فإذا تمَّت له التخلية فلم تعد للنجاسات أعيان منظورة ولا آثار ملحوقة ، عندئذ يصحّ له التحلّي والاتشاح ببارقة إيمانه ؛ فمن لم يكمل رسوم التخلية سقط في مراتب التحلية ، وجمع بين الظلمة والنور ، والنور غيور لا يجتمع مع ضدِّه ، فيترك صاحبه ما لم يتدارك حاله ، وله بالمثل القرآني أُسوة وقدوة : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : 102 ) . ولا ريب بأنَّ الوقاية من ذلك في أوّل الطريق خير له من العلاج في الطريق ، فإنَّ للتخلية رسوماً تُحدّد المقام المعلوم ، أو كما قال خرِّيت الصناعة : إنّ المقامات هي استيفاء الحقوق المرسومة شرعاً على التمام ، وهي مكتسبة بواسطة المجاهدات والرياضات الشرعية « 1 » ، أو هي ما يتحقّق بها العبد بنزوله من الآداب ، فمقام كلّ أحد هو موضوع إقامته ، وشرطه هو عدم الارتقاء من مقام إلى آخر ما لم يستوفِ أحكام ذلك المقام « 2 » ، فالمقام هو منزل الإقامة ،
هامش
( 1 ) الفتوحات المكّية : ج 4 ، ص 22 . ( 2 ) انظر : الرسالة القُشيرية : ص 123 . .