جدير بالذكر أنّ علاقة خواتيم الآيات بالأسماء الإلهية بالمضمون السابق يُعتبر من خواصّ القرآن الكريم من دون سائر الكتب السماوية الأُخرى ، وفي ذلك يقول الطباطبائي : ( والقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يستعمل الأسماء الإلهية في تقرير مقاصده ، ويُعلِّمنا علم الأسماء من بين ما بلغنا من
الكتب السماوية المنسوبة إلى الوحي ) « 1 » ، وينبغي أن يُعلم بأنَّ لهذا البحث تفصيلات أُخرى لا تقلّ أهمّية عن ذلك ، لعلّنا نقف عند جملة منها في موضوعة تأويل الآية في الفصول اللاحقة .
معنى العجز عن المعرفة وصِلَته بالفهم
لقد اتّجهت جميع أبحاثنا السابقة بموضوعة فَهم القرآن الكريم ، وقد مررنا بالمراتب الثلاث للتفسير ، وهي : التفسير المُفرداتي والجُملي والموضوعي ، فإذا كانت الألسنة النصّية تُؤكّد حقيقة العجز من المعرفة فما جدوى تحصيل الفهم ؟
ولنُطالع هذا النصّ المروي عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام فإنه كان إذا قرأ هذه الآية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا . . . ( النحل : 18 ) يقول :
( سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها ، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه ، فشكر جلَّ وعزَّ معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره ، فجعل معرفته بالتقصير شكراً ، كما عَلِمَ عِلْمَ العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيماناً ، علماً منه أنه قد وسع العباد « 2 » ، فلا يتجاوز ذلك ؛ فإن شيئاً من خلقه لا يبلغ مدى عبادته ، وكيف يبلغ
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 8 ، ص 353 .
( 2 ) أُصول الكافي : ج 8 ، ص 394 ، ح 592 . الموجود في الأصل هو : قد وسع العبار ، وبالتحقيق ثبت أن هنالك تصحيفاً وقع في كلمة العباد فصارت الدالّ راءً ، وقيل بأن / / المراد من حرف التحقيق قد هو قدَّرَ بمعنى التقدير ، ولعلّه الأنسب رغم عدم لزوم الخلل في ما جاء في الأصل ، إلا أنَّ الأصل يُحقّق لنا المعنى المُقارب للعجز عن المعرفة ، فإذا تحقّقنا من أنه تعالى وسع العباد استحال أن يسعه العباد ، وهذا هو الهدف الذي يُريد أن يحكيه معنى العجز ، فتأمَّل . .