عفا عنه ، فالمقام مقام رحمة وتوبة ، وليس مقام تعنيف وشدّة ، هذا من حيث العلاقة والحاكمية ، وأما من حيث التنظيم والترتيب فإنَّ الاسمين قد أجملا ما تقدَّم ، وهذا واضح .
ثانياً : قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( المائدة : 38 ) ، فإنَّ الأمر بقطع اليد يحتاج إلى جهة قوية لا يُعيقها شيء أبداً ، وهذه الصفة تعني العزّة في المقام تحديداً ، وحيث إنَّ مثل هكذا حكم دقيق وخطير يحتاج إلى جهة لا تُخطئ أبداً ، تُقدّر الأشياء بالمثاقيل ، وهو مُقتضى الحكمة ، فاحتاج الأمر إلى العزّة والحكمة ، وهكذا خُتمت الآية بذلك ؛ إذ ليس من المُناسب أن تُختم بالتوّاب الرحيم ، كما هو واضح .
ثالثاً : قوله تعالى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( البقرة : 225 ) ، و ( فِي أَيْمَانِكُمْ ) أي : في حلفكم وأقسامكم ، من قبيل : والله ، تالله ، فإن كان بقصد بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ فهو قسم شرعي ويترتّب عليه أثر ، وإن كان بغير بقصد فهو لغو ، وهنا تُعالج الآية النوع الثاني منهما ، حيث تُبيّن الحكم الشرعي بعدم المؤاخذة على ذلك ، ولكنه أمر غير مرغوب به أبداً ، ونظراً لتوقّع تكراره فاحتاج الأمر إلى الحلم الكبير ، فجاءت صيغة المبالغة بمفردة : الحليم ، فالغفور لأمر جائز في نفسه غير مرغوب فيه ، والحليم لتكرار الفعل ، وهذا الأمران ينسجمان تماماً مع عدم المؤاخذة ، ولا يبعد أن يكون مُتعلَّق الغفور الحليم هو القسم الواقع بقصد ، أي : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، فهو غفور عن اليمين الغموس بعد الاستغفار منه ، وحليم بعدم تعجيل العقوبة على الذنب ، فيكون المُؤدّى أنَّ المُتعلَّق الأوّل - كما فهمه معظم المُفسّرين - مجرّد تحصيل حاصل ، وأما المُتعلَّق الثاني - الذي لم يُلتفت له - فهو ما يليق بساحة فيضه وقدسه ، حيث يدعوهم للاستغفار من
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 144
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٤