تلك اليمين المقصودة ، وهذا هو معنى المؤاخذة ، شرط أن لا يلزم منه انتهاك فعليّ ، بمعنى لزوم السخرية والاستهزاء من ذلك .
وهكذا الحال في المقطع الأوّل من آية الكرسي ، وهو قوله تعالى : اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( البقرة : 55 ) ، فإنَّ جميع المضامين المُتقدّمة ذات صلة وثيقة بالْعَلِيّ الْعَظِيم ، فَعُلُوّه عن أحكام الإمكان بأسره جرَّده ونزَّهه عن النقص المُلازم للسنة والنوم ، والعلمُ المطلق فلا يعزب عنه شيء ، والإحاطةُ التامّةُ فالكلّ حاضر لديه ، والحفظ الكامل بلا ضعف ولا فتور ، كلّ ذلك يقتضي أن تكون مُتفرّعة على الْعَلِيّ الْعَظِيم .
قال الطباطبائي : ( ومحصل ما تفيده الآية من المعنى : أنَّ الله لا إله إلا هو له كلّ الحياة وله القيومية المطلقة من غير ضعف ولا فتور ، ولذلك وقع التعليل بالاسمين الكريمين : العلي العظيم ، فإنه تعالى ؛ لعلوّه لا تناله أيدي المخلوقات فيوجبوا بذلك ضعفاً في وجوده وفتوراً في أمره ، ولعظمته لا يجهده كثرة الخلق ولا يطيقه عظمة السماوات والأرض ) « 1 » .
وهكذا المقطع الثاني منها ، وهو قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 56 ) ، فإنَّ الإيمان والكفر تارة يكونان بصورة ظاهرية مُعلنة يُحتاج معهما إلى صفة السميع ، وتارة يكونان بصورة باطنية خفية ، وفيها يُحتاج إلى العليم ، وهكذا اقتضى الأمر الخاتمية بذلك .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 336 . .