تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
وقد تنبَّه بعض أعلام التفسير لهذا الوجود الماورائي ، بشكل مباشر وغير مباشر ، كالفخر الرازي ، حيث يقول : ( ثمَّ إنه لمّا بيّن كمال ملكه وحكمه في السماوات وفي الأرض ، بيّن أنَّ ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجلّ ، وأن ذلك ممَّا لا تصل إليه أوهام المتوهّمين ، وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيّلين ، فقال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض ) « 1 » . وفي ذلك يقول الطباطبائي : ( وربما لوّح إليه أيضاً قولُه تعالى فيها : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ حيث جعل المعلوم : ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهما - أعني ما بين الأيدي وما هو خلف - غير مجتمع الوجود في هذا العالم المادي ، فهناك مقام يجتمع فيه جميع المتفرّقات الزمانية ونحوها ، وليست هذه الوجودات وجودات غير متناهية الكمال غير محدودة ولا مقدَّرة وإلا لم يصحّ الاستثناء من الإحاطة في قوله تعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء ) « 2 » . جدير بالذكر أنَّ هذه السماوات المعنوية ذات الطابع الغيبي هي الأقرب لمعنى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء . . . ( الأعراف : 40 ) ، فهي تحكي العالم العلوي الذي يعلو بكماله العالم المادّي ، عالم النور ومأوى الملائكة ، وهذا العالم العلوي هو المحكي أوّلًا وبالذات في سعة كرسيِّه سبحانه له ، فيكون الكرسي والعرش معاً ذا ارتباط وثيق بالسماوات المعنوية ؛ وفي طيِّ ذلك تنعقد العلاقة والسعة للعالم المادي الجُرمي ، فالعالم العلوي علّة العالم السُّفلي ، ولا ينفكّ السُّفلي عن علّته العلوية ، فيكون الكرسي الذي وسع السماوات والأرض المعنوية علماً مُتَّسعاً للسماوات والأرض الجُرمية بالأولوية ؛ وستأتينا وقفات أُخرى في موضوعة السماوات المعنوية في تفسيرنا الموضوعي للآية .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ، ص 7 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 340 . .