الواقع إنَّ هذا الموضوع لهو في غاية التعقيد ، فإنَّ أزمَّته موكولة للسير العلمي الأعلائي ، الذي يتجاوز حدود المعارف الحصولية ، وهنالك بعض الملامح التي لم يتّضح توجيهها للأعلام فضلًا عمَّن دونهم من العلماء والمُتعلّمين ، من قبيل موضوعة نفي الصفات عنه تعالى ، حيث عادة ما تُحصر دائرته بنفي الصفات الزائدة عن الذات ، من قبيل صفات الجمال والفعل ، فيكون النظر إلى الذات المقدَّسة بعين صفاتها الكمالية ، التي لا تُتصوَّر الذات بدونها لمكان العينية ، ولكنَّ الأمر لا يبدو لنا كذلك ، ولعلَّنا نتعرَّض لبيان الموقف الحقّ في ذلك في طيّات أبحاثنا العرفانية النظرية « 1 » .
وأما فيما يتعلَّق بموضوعة البحث ، وهي كفاية طالب المعرفة بحكاية الذات المقدَّسة عن الصفة ، فإنَّ التعقيد المومأ إليه لا يعفينا من الترميز لذلك بما لا يخرجنا كثيراً عن صُلب الموضوع ، فنقول إن أُريد من المعرفة دائرة العلوم الحصولية لا غير ، فلا ريب بتوقّف المعرفة عند وجه الحكاية ، وهي حكاية صورية ، لأنَّ النتيجة تتبع أخسّ المقدَّمات ، فلا يُتوقّع من الحصول حضور ، وهذا واضح . وإن أُريد منها دائرة الحضور ، ففي ذلك تفصيل يُمكن إيجازه بأمرين جامعين ، وهما :
الأوّل : أن يكون العارف قد أكمل دائرة السير في السفر الثاني ، المسمَّى بالسفر المعنوي من الحقِّ إلى الحقِّ بالحقِّ « 2 » ، فهو مُؤهّل لنيل المقام الأرفع ،
هامش
( 1 ) أكمل السيد الأُستاذ دورة كاملة في درس العرفان النظري في كتاب : ( تمهيد القواعد ) لابن تركة ، ثمَّ أردفها بدورة أُخرى لم تكتمل بعد ، في : ( فصوص الحكم ) لابن عربي الأندلسي .
( 2 ) هنالك أسفار أربعة أمام السالك ، وهي : الأوّل : ( السفر من الخلق إلى الحقّ ) ، الثاني : ( السفر من الحقّ إلى الحقِّ بالحقّ ) ، الثالث : ( السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ ) ، الرابع : ( السفر من الخلق إلى الخلق بالحقّ ) ، وللوقوف أكثر على خصائص هذه الأسفار الأربعة يُراجع كتاب : من الخلق إلى الحقّ ، للسيد الأستاذ . .