تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠

الزاوية الرابعة : خصوصية التأويل

وهنا الطامّة الكبرى ، أو كما يقال : تُسكب العبرات ، حيث صار القرآن لذوي الأنفس الزائغة مسرحاً لتمرير مآربهم ، ودسّ سمومهم ، وإيقاد فتنهم ، كما وصفتهم الآية الكريمة ، حيث تقول : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ، ولعلّ في هذه الخصوصية وقعت الأمّة في حيص بيص ، فصارت الأُمّة شتاتاً بعد تجمّعها ، وفرقاً بعد وحدتها ، وما ذلك إلا لخروجهم عن الجادّة القائلة بإرجاع المُتشابه عندهم إلى المُحكم ، والمُحكم هو ما أورث القطع النوعي لقارئيه ، أو ما يُبرزه لنا المعصوم عليه السلام ببياناته ، بل إنَّ المعصوم عليه السلام هو المُحكم بنفسه ، كما سيأتي . يقول الطباطبائي في ذلك : ( ففرقة تتمسّك من القرآن بآيات التجسيم ، وأُخرى للجبر ، وأُخرى للتفويض ، وأُخرى لعثرة الأنبياء ، وأُخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات ، وأُخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات إلى غير ذلك ، كلّ ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه . إذا تأمّلت في هذه وأمثالها - وهي لا تحصى كثرة - وتدبّرت في قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ، لم تشكّ في صحّة ما ذكرناه . وهذا هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب ، وإصراره البالغ على النهي عن اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل ، والإلحاد في آيات الله ، والقول فيها بغير علم واتّباع خطوات الشيطان ، فإنّ من دأب القرآن أنّه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدين فتنهدم به بنيته ، كالتشديد الواقع في تولّي الكفّار ومودّة ذوي القربى وقرار أزواج النبي ومعاملة الربا واتّحاد الكلمة في الدين وغير ذلك ) « 1 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ، ص 41 . .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 500 | السيد كمال الحيدري