تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
النبي بالمؤمنين من أنفسهم بالتصرّف مطلقاً ، فليس لمؤمن أن يخرج عن طاعته ، وليس لمؤمن أن يعقد أمراً بدون الإذن منه صلى الله عليه وآله ، وقد أجاد الشوكاني في تصوير ذلك بقوله : ( ثمَّ ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة وخصوصية جليلة لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي : هو أحقّ بهم في كلّ أمور الدين والدنيا ، وأولى بهم من أنفسهم فضلًا عن أن يكون أولى بهم من غيرهم ، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم وإن كانوا محتاجين إليها ويجب عليهم أن يحبّوه زيادة على حبّهم أنفسهم ، ويجب عليهم أن يقدّموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم ) « 1 » . ولهذا المدلول المُطابقي لوازم كثيرة ، أهمّها أنَّ النبي صلى الله عليه وآله إذا نصّب أحداً من بعده فليس للمؤمن الاعتراض أبداً ، كما أنَّ المُنصَّب سيكون له ما للنبي صلى الله عليه وآله ، لاسيَّما إذا سيق ذلك المضمون في بيان المنصب ، وهذا ما حصل لأمير المؤمنين علي عليه السلام ، وقد روى ابن كثير بسند صحيح ما يعكس ذلك تماماً عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن بريدة قال : ( غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً فتنقّصته ، فرأيت وجه رسول الله يتغيّر ، فقال : يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت : بلى يا رسول الله ! قال : من كنتً مولاه فعليّ مولاه ) « 2 » ، ثمَّ عقَّب ابن كثير على ذلك قائلًا : وهذا إسناد جيّد قويّ ، رجاله كلّهم ثقات . إذن فشخصية المفسّر وقبلياته وعقائده ومقاصده تغيّر من مسار النصّ ، فإن قيل بأنَّ ذلك خروج عن مفاد النصّ ، قيل لنا بأنَّ الآية من المتشابهات ، وهي حمّالة وجوه ، والصحيح هو أنَّ المُفسّر حمَّال وجوه ، لا النصّ بعينه .
هامش
( 1 ) فتح القدير ، للشوكاني : ج 4 ، ص 261 . ( 2 ) البداية والنهاية : ج 5 ، ص 228 . .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 499 | السيد كمال الحيدري