فالفاتحة لها وجود مُحكم في قوله تعالى : ( ألم ) ، ووجود مُتشابه فيما خلا ذلك من السورة ؛ أو لعلّه يُريد بأنَّ معاني السور لها وجه خفي يكمن في فواتحها ، ولها وجه بيِّن يكمن في تفصيلات السور الواقعة بعد الفواتح .
وهو وجه غريب جداً ، لأنَّ مفاده أنَّ العامل بتلك التفاصيل يكون في قلبه زيغ ، وأنَّ مردّ المُتشابه للمحكم لا جدوى منه ! !
والأغرب منه هو عكسه تماماً ، حيث يرى الواحدي بأنَّ المراد من المتشابهات هو ما تشابهت على اليهود ، وهي حروف التَّهجِّي في أوائل السُّور ، وذلك أنَّهم أوَّلوها على حساب الجُمل ، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدَّة بقاء هذه الأُمَّة ، فاختلط عليهم واشتبه ، وأنَّ الذين في قلوبهم زيغٌ هم اليهود الذين طلبوا عِلمَ أجل هذه الأمَّة من الحروف المقطَّعة « 1 » ، ممَّا يعني أنَّ آيات القرآن برمّته ما عدا الفواتح مُحكمات !
التصوير السابع عشر : إنّ المحكم ما أُحكم وفُصّل فيه خبر الأنبياء مع أُممهم ، والمتشابه ما اشتبهت ألفاظه من قصصهم بالتكرار في سور متعدّدة .
وهو وجه غريب أيضاً ، لأنه خلو من الدليل ، كما أنَّ خاصّة التشابه واتّباع أصحاب الزيغ يعمّ غير آيات القصص ، بل ذلك يوجد في القصّة الواحدة كقصّة جعل الخلافة في الأرض كما توجد في القصص المتكرّرة ، وفضلًا عن ذلك فإنَّ لازم هذا القول هو اختصاص التقسيم بآيات القصص ، لا غير !
التصوير الثامن عشر : إنَّ الجُمل القرآنية - تبعاً للجُمل العربية التامّة - تنقسم إلى جُمل إنشائية يُراد منها إيقاع النسبة في الخارج ، وأُخرى خبرية يُراد منها حكاية الواقع ، ولا يُتصوّر قسم ثالث في المقام ، وهذا واضح .
وعليه فما كان إنشاءً فهو المُحكم ، وما كان إخباراً فهو المُتشابه ، وهو ما
هامش
( 1 ) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، علي بن أحمد الواحدي : ج 1 ، ص 70 . .