وفي هذا الضوء نعرف أنّ أيّ تقييم موضوعيّ لدرجة التصديق يجب أن يفترض مصادرة مفادها أنّ هناك درجات وتقييمات بديهيّة أوّليّة وغير مستنبطة ؛ إذ ما لم تكن هناك درجات تتمتّع بالصحّة الموضوعيّة بصورة مباشرة لا يمكن أن توجد درجات مستنبطة .
من هنا لابدّ من معرفة ما إذا توجد درجة من التصديق الموضوعي لا تكون مستنبطة عن طريق درجات صحيحة لتصديقات سابقة ، كي تؤمّن للتصديق الاستقرائي حصوله على أعلى درجة من الموضوعيّة وهي الجزم واليقين أم لا ؟
المصادرة المفترضة في الدليل الاستقرائي
إنّ المصادرة التي يفترضها الدليل الاستقرائي في مرحلته الثانية لا ترتبط بالواقع الموضوعي ولا تتحدّث عن حقيقة من حقائق العالم الخارجي وإنّما ترتبط بنظام المعرفة البشريّة نفسها ، ويمكن تلخيصها بما يلي :
كلّما تجمّع عددٌ كبير من القيم الاحتماليّة في محور واحد فحصل - هذا المحور - نتيجة لذلك على قيمة احتماليّة كبيرة ، فإنّ هذه القيمة الاحتماليّة الكبيرة تتحوّل ضمن شروط معيّنة إلى يقين . فكأنّ المعرفة البشريّة مصمَّمة بطريقة لا تتيح لها أن تحتفظ بالقيم الاحتماليّة الصغيرة جدّاً ، فأيّ قيمة احتماليّة صغيرة تفنى لحساب القيمة الاحتماليّة الكبيرة المقابلة ، وهذا يعني تحوّل هذه القيمة إلى يقين .
وليس فناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة نتيجة لتدخّل عوامل بالإمكان التغلّب عليها والتحرّر منها ، بل إنّ المصادرة تفترض أنّ فناء القيمة الصغيرة وتحوّل القيمة الاحتماليّة الكبيرة إلى يقين ، يفرضه التحرّك الطبيعي للمعرفة البشريّة نتيجة لتراكم القيم الاحتماليّة في محور واحد ، بحيث لا يمكن تفاديه