تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
يعطيها للتصديق بالقضيّة الأخرى « أنّ وجه الكتابة سوف يظهر » . وما دمنا قد افترضنا إمكانيّة الخطأ في درجة التصديق ، فهذا يعني افتراض أنّ للتصديق درجة محدّدة في الواقع طبق مبرّرات موضوعيّة ، وأنّ معنى كون اليقين مخطئاً أو مصيباً في درجة التصديق : أنّ درجة التصديق التي اتّخذها اليقين في نفس المتيقّن تطابق أو لا تطابق الدرجة التي تفرضها المبرّرات الموضوعيّة للتصديق . لنأخذ مثالًا آخر ونفترض أنّنا دخلنا إلى مكتبة ضخمة تضمّ مائة ألف كتابٍ وقيل لنا : إنّ كتاباً واحد فقط من مجموعة هذه الكتب قد وقع نقص في أوراقه ، ولم يعيّن لنا هذا الكتاب ، ففي هذه الحالة إذا ألقينا نظرة على كتاب معيّن من تلك المجموعة فسوف نستبعد جدّاً أن يكون هو الكتاب الناقص ، لأنّ قيمة احتمال أن يكون هو ذاك هي ولكن إذا افترضنا أنّ شخصاً ما تسرّع وجزم على أساس الاستبعاد بأنّ هذا الكتاب ليس هو الكتاب الناقص ، فهذا يعني أنّ اليقين الذاتي قد وجد لديه ، ولكنّنا نستطيع أن نقول بأنّه مخطئ في يقينه هذا ، حتّى إذا لم يكن هذا الكتاب هو الكتاب الناقص حقاً ، فإنّ ذلك لا يقلّل من أهمّية الخطأ الذي تورّط فيه هذا الشخص ، وسوف يكون بإمكاننا أن نحاجَّه قائلين : وما رأيك في الكتاب الآخر وفي الكتاب الثالث والرابع . . . وهكذا ؟ فإن أكّد جزمه ويقينه بأنّ الكتاب الآخر ليس هو الناقص أيضاً ، وكذلك الثالث . . . وهكذا فسوف يناقض نفسه ، لأنّه يعترف فعلًا بأنّ هناك كتاباً واحداً ناقصاً في مجموعة الكتب ، وإن لم يسرع إلى الجزم في الكتاب الثاني أو الثالث طالبناه بالفرق بين الكتاب الأول والثاني . . . وهكذا حتّى نغيّر موقفه من الكتاب الأوّل ، ونجعل درجة تصديقه بعدم نقصانه لا تتجاوز القدر المعقول لها فلا تصل إلى اليقين والجزم .