3 . اليقين الموضوعي
لتوضيح هذا المعنى لليقين يجب أن نميّز في اليقين - أيّ يقين - بين ناحيتين : إحداهما القضيّة التي تعلّق بها اليقين ، والأخرى درجة التصديق التي يمثّلها . فحين يوجد في نفسك يقين بأنّ جارك قد مات ، تواجه قضيّة تعلّق بها اليقين وهي أنّ فلاناً مات ، وتواجه درجةً معيّنةً من التصديق يمثّلها هذا اليقين ، لأنّ التصديق له درجات تتراوح من أدنى درجة للاحتمال إلى الجزم ، واليقين يمثّل أعلى تلك الدرجات وهي درجة الجزم الذي لا يوجد في إطاره أيّ احتمالٍ للخلاف . وإذا ميّزنا بين القضيّة التي تعلّق بها اليقين ودرجة التصديق التي يمثّلها ، أمكننا أن نلاحظ أنّ هناك نوعين ممكنين من الحقيقة والخطأ في المعرفة البشريّة :
أحدهما : الحقيقة والخطأ من الناحية الأولى ، أي : من ناحية القضيّة التي تعلّق بها . والحقيقة والخطأ من هذه الناحية مردّهما إلى تطابق القضيّة التي تعلّق بها اليقين مع الواقع وعدم تطابقها ، فإذا كانت متطابقة فاليقين صادق في الكشف عن الحقيقة وإلّا فهو مخطئ .
والآخر : الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الثانية ، أي : من ناحية الدرجة التي يمثّلها من درجات التصديق ، فقد يكون اليقين مصيباً وكاشفاً عن الحقيقة من الناحية الأولى ولكنّه مخطئ في درجة التصديق التي يمثّلها . فإذا تسرّع شخص وهو يلقي قطعة النقد فجزم بأنّها سوف تبرز وجه الصورة نتيجةً لرغبته النفسيّة في ذلك ، وبرز وجه الصورة فعلًا ، فإنّ هذا الجزم واليقين المسبق يعتبر صحيحاً وصادقاً من ناحية القضيّة التي تعلّق بها ، لأنّ هذه القضيّة طابقت الواقع ، ولكنّه رغم ذلك يعتبر يقيناً خاطئاً من ناحية درجة التصديق التي اتّخذها بصورة مسبقة ، إذ لم يكن من حقّه أن يعطي درجةً للتصديق بالقضيّة « أنّ وجه الصورة سوف يظهر » أكبر من الدرجة التي