تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
بينهما . فإذا فرضنا مثلًا تلازماً منطقيّاً بين قضيّتين على أساس تضمّن إحداهما للأخرى من قبيل « زيد إنسان » « زيد إنسانٌ عالم » فنحن نعلم بأنّ زيداً إذا كان إنساناً عالماً فهو إنسان ، أي نعلم بأنّ القضيّة الثانية إذا كانت صادقة فالقضيّة الأولى صادقة ، وهذا العلم يقينٌ منطقيّ ، لأنّه يستبطن العلم بأنّ من المستحيل أن لا يكون الأمر كذلك . وأمّا اليقين الرياضي فهو يندرج في اليقين المنطقي بمفهومه الذي رأيناه في منطق البرهان الأرسطي ؛ لأنّ اليقين الرياضي يعني تضمّن إحدى القضيّتين للأخرى ، فإذا كانت هناك دالّة قضيّة تعتبر متضمّنة في دالّة قضيّة أخرى ، قيل من وجهة نظر رياضيّة : إنّ دالّة القضيّة الأولى تعتبر يقينيّة من حيث علاقتها بدالّة القضيّة الثانية . فاليقين الرياضي يستمدّ معناه من تضمّن إحدى الدالّتين في الأخرى ، بينما اليقين المنطقي في منطق البرهان يستمدّ معناه من اقتران العلم بثبوت شيء لشيء بالعلم باستحالة أن لا يكون هذا الشيء ثابتاً لذاك ، سواء كانت هذه الاستحالة من أجل تضمّن أحدهما في الآخر ، أو لأنّ أحدهما من لوازم الآخر .

2 . اليقين الذاتي

وهو يعني جزم الإنسان بقضيّة من القضايا بشكل لا يراوده أيّ شكٍّ أو احتمال للخلاف فيها . وليس من الضروريّ في اليقين الذاتي أن يستبطن أيّ فكرة عن استحالة الوضع المخالف لما علم . فالإنسان قد يرى رؤيا مزعجة في نومه فيجزم بأنّ وفاته قريبة ، وقد يرى خطّاً شديد الشبه بما يعهده من خطّ رفيق له فيجزم بأنّ هذا هو خطّه ، ولكنّه في الوقت نفسه لا يرى أيّ استحالةٍ في أن يبقى حيّاً ، أو في أن يكون هذا الخطّ لشخصٍ آخر ، رغم أنّه لا يحتمل ذلك ، لأنّ كونه غير محتمل لا يعني أنّه مستحيل .