تربط مفهوماً بمفهومٍ آخر في وجوده كالعلاقة بين الحركة والحرارة ، وهذه العلاقة بين المفهومين يقوم على أساسها ارتباط كلّ فردٍ من أحد المفهومين بفردٍ من المفهوم الآخر . فهناك ارتباطات عديدة بين هذه الحرارة وهذه الحركة وتلك الحرارة وتلك الحركة ، ولكن كلّ هذه الارتباطات بين الحرارات والحركات متلازمة ؛ لأنّها تنبع جميعاً من تلك العلاقة بين المفهومين أي : علاقة السببيّة القائمة بين ماهيّة الحرارة وماهيّة الحركة . أمّا المفهوم التجريبي للسببيّة فهو لا يعترف بعلاقة السببيّة إلا بوصفها اطّراداً في التتابع أو الاقتران بين حادثتين ، دون أن يضيف إلى هذا التتابع أو الاقتران أيّ فكرة عن الإيجاد والضرورة واللزوم .
ومن الواضح أنّ رفض فكرة الضرورة واللزوم نهائيّاً يؤدّي إلى أنّ أيّ حادثة توجد عقيب حادثةٍ أخرى فوجودها عقيبها صدفة ولا يعبّر عن أيّ لزوم . فالغليان عقيبُ الحرارة والحرارةُ عقيب الحركة صدفة ، كما أنّ نزول المطر عقيبُ صلاتك صدفة ، والفارق بين الصدفتين أنّ الأولى تتكرّر على سبيل الصدفة بصورةٍ مطّردة وأنّ الثانية لا توجد إلّا أحياناً .
وما دام هذا التتابع مجرّد صدفةٍ مطّردة دون أن يقوم على أساس علاقة ضرورة بين مفهومين ، فهو يعبّر عن علاقة بين فردين بدلًا عن مفهومين ، وبهذا يكون التتابع بين كلّ فرد من الحرارة وفرد من الحركة علاقة مستقلّة نشأت على سبيل المصادفة بين الفردين . فسببيّة الحركة للحرارة بالمفهوم التجريبي تعبّر عن علاقات كثيرة بعدد ما يوجد من أفراد للحرارة والحركة ، دون أن تستقطب كلّ تلك العلاقات علاقة رئيسيّة بين المفهومين ، كما يفترضه المفهوم العقلي للسببيّة .
وبهذا يتّضح :
أنّ السببيّة بالمفهوم العقلي علاقة ضرورة ، والسببيّة بالمفهوم التجريبي
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 247
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٧