المعرفة إلى درجة اليقين . وفي هذه المرحلة لا يوجد في الدليل الاستقرائي أيّ قفزةٍ من الخاصّ إلى العامّ أو أيّ ثغرةٍ عقليّة .
وتسمّى هذه المرحلة بالمرحلة الاستنباطيّة من الدليل الاستقرائي ، لأنّ الدليل فيها يمارس عمليّة استنباط عقليّ وفقاً لقواعد التوالد الموضوعي للفكر التي يحدّدها المنطق الصوري .
والدليل الاستقرائي في هذه المرحلة ينمّي احتمال التعميم الاستقرائي ويصل به إلى أعلى درجةٍ من درجات التصديق الاحتمالي ، مستنتجاً تلك الدرجة بطريقة استنباطيّة من المبادئ والبديهيات ، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نعتبر درجة الاحتمال التي يبرهن عليها الدليل الاستقرائي في مرحلته الأولى قضيّة مستنبطة .
غير أنّ هناك فارقاً أساسيّاً بين الطابع الاستنباطي للدليل الاستقرائي والطابع الاستنباطي للأدلّة الاستنباطيّة البحتة ، كالبرهان الذي يستنبط « أنّ زوايا المثلّث تساوي قائمتين » من مصادرات الهندسة الأقليديّة . وهذا الفارق يكمن في أنّ الأدلّة الاستنباطيّة البحتة تبرهن على الجانب الموضوعي من الحقيقة . فالبرهان الهندسي على أنّ « زوايا المثلّث تساوي قائمتين » يثبت وفق مناهج الاستدلال الاستنباطي هذه المساواة بين زوايا المثلّث وقائمتين كحقيقة موضوعيّة . وأمّا الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطيّة فهو لا يبرهن على الجانب الموضوعي من الحقيقة ، ولا يثبت أنّ « أ » سبب ل - « ب » وإنّما يثبت بطريقة استنباطيّة درجة من التصديق بهذه الحقيقة ، تتمثّل في القيمة الاحتماليّة الكبيرة التي أنتجها تجمّع عددٍ كبير من الاحتمالات على محورٍ واحد هو سببيّة « أ » ل - « ب » . فالقضيّة المستنبطة من الدليل الاستقرائي هي درجةٌ من التصديق بقضيّة أنّ « أ » سبب ل - « ب » وليست قضيّة السببيّة نفسها ( التي هي الجانب الموضوعي من الحقيقة ) .
وبالإمكان أن نعبّر عن هذا بتعبيرٍ آخر هو : إنّ المستنبَط من الدليل
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 245
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٥