وهناك معارف ثانويّة مستنتجة من معارفنا السابقة بطريقة التوالد الموضوعي كنظريّات الهندسة الأقليديّة المستنتجة من بديهيّات تلك الهندسة بطريقة التوالد الموضوعي .
وهناك معارف ثانويّة مستنتجة من معارفنا السابقة بطريقة التوالد الذاتي ، وهي كلّ التعميمات الاستقرائيّة ، فإنّ التعميم الاستقرائي مستنتج من مجموعة أمثلة وشواهد لا يوجد أيّ تلازم بينها وبين ذلك التعميم . فالعلم بالتعميم ينشأ عن طريق العلم بتلك الأمثلة والشواهد على أساس التوالد الذاتي .
ويترتّب على هذا أنّ من الضروريّ الاعتراف بأنّ هذه الطريقة الجديدة للتوالد ذاتيّاً التي تختلف عن طريقة التوالد الموضوعي لا يمكن إخضاعها للمنطق الصوري أو الأرسطي الذي يعالج التلازم بين أشكال القضايا ؛ إذ لا تقوم طريقة التوالد الذاتي على أساس التلازم بين القضيّة المستنتجة والقضايا التي اشتركت في إنتاجها ، لأنّ التوالد ذاتيّ وليس موضوعيّاً .
ولكن هذا لا يعني فسح المجال لاستنتاج أيّ قضيّةٍ من أيّ قضيّةٍ أخرى على أساس التوالد الذاتي دون التقيّد بالتلازم بين القضيّتين ، كأن نستنتج مثلًا أنّ زيداً قد مات من أنّ الشمس طالعةٌ ، وأنّ حجم الأرض أكبر من حجم القمر ، فإنّ هذا يؤدّي إلى جعل طريقة التوالد الذاتي مبرّراً لأيّ استدلالٍ خاطئ ، وليس هذا ما نقصده عندما نقرّر هذه الطريقة إلى جانب طريقة التوالد الموضوعي .
إنّ ما نقصده الآن هو أنّ جزءاً من المعرفة التي يؤمن بها العقليّون على الأقلّ لم يتكوّن على أساس التوالد الموضوعي ، وإنّما يتكوّن على أساسٍ آخر هو ما نصطلح عليه بالتوالد الذاتي . وهذا يعني أنّا ما دمنا نودّ الاحتفاظ بذلك الجزء من المعرفة وبطابعه الموضوعي السليم فلابدّ أن نعترف بطريقة التوالد الذاتي ، وبأنّ العقل ينتهج هذه الطريقة في الحصول على جزءٍ من معرفته الثانويّة .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 243
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٣