مصادرة قانون السببيّة كأصل مثل اجتماع النقيضين . ولكن هل هذا تامّ وصحيح ؟
الجواب : كلّا ، غير تامّ وغير صحيح ولا نوافق على ذلك ، ومن المحال أن ندخل إلى الدليل الاستقرائي من غير قانون السببيّة ، كما هو الحال في الدخول إلى الدليل الاستقرائي من غير قانون اجتماع النقيضين . وأمّا بالنسبة إلى دعواه حول إثبات السببيّة بالدليل الاستقرائي فقد ذكرنا فيما تقدّم أنّ ذلك غير ممكن لأنّ السببيّة بالمعنى الفلسفي والعقلي هي التلازم ، وبحسب تعبيره هي حالة غيبيّة ، لا تنالها التجربة . فالدليل الاستقرائي عاجز عن إثبات السببيّة بالمعنى العقلي .
وبيت القصيد في دعاوى السيّد الشهيد هو أنّه بالدليل الاستقرائي يمكن لنا إثبات اليقين ، ولكن ليس اليقين الأرسطي الذي يعني ثبوت المحمول للموضوع واستحالة الانفكاك بينهما ، فالدليل الاستقرائي قادر على إثبات اليقين البسيط .
وبيان ذلك يقتضي الوقوف على اصطلاحات السيّد الشهيد ، وما هو مراده من اليقين الاستقرائي وكيفيّة تمييزه عن اليقين الأرسطي ، وأنّه لابدّ أن يمرّ هذا الدليل بمرحلتين هما :
المرحلة الأولى : يعبّر عنها بالتوالد الموضوعي .
المرحلة الثانية : يعبّر عنها بالتوالد الذاتي .
ومن هنا جاءت نظريّة المذهب الذاتي ، وهذا هو المفتاح الأساس لنظرية السيّد الشهيد في المنطق الذاتي ، وإبداعاتُه في الأسس المنطقيّة للاستقراء في بحث التوالد الذاتيّ ، وليس في التوالد الموضوعي .
وهنا تكون نقطة الخلاف الجوهريّة بين المنطق الأرسطي وبين ما أسماه الأستاذ الشهيد بالمنطق الذاتي « 1 » الذي وضع قواعده في كتابه « الأسس المنطقيّة
هامش
( 1 ) يقول + : « ونريد بالمذهب الذاتي للمعرفة اتّجاهاً جديداً في نظريّة المعرفة يختلف عن كلٍّ من الاتّجاهين اللذين يتمثّلان في المذهب العقلي والمذهب التجريبي » . الأسس المنطقيّة : ص 133 .