تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
للحرارة ، لأنّ السببيّة العامّة تحكم بأنّ للتمدّد سبباً ولكنّها لا تعيّن نوعيّته ، فيجب على الدليل الاستقرائي بعد أن يثبت السببيّة العامّة أن يفتّش عن برهان يثبت به أنّ سبب التمدّد في الحديد مثلًا هو الحرارة التي اقترن بها التمدّد خلال التجربة ، ولا يصلح مجرّد الاقتران بين التمدّد والحرارة في التجربة برهاناً من الناحية المنطقيّة على السببيّة بينهما ؛ لأنّ الاقتران بينهما كما يمكن أن يكون نتيجةً للسببيّة ، كذلك يمكن أن يكون مجرّد صدفة ويكون التمدّد مرتبطاً بسببٍ آخر اتّفق وجوده في اللحظة التي وُجدت فيها الحرارة في الحديد . وهكذا أيّ ظاهرة إذا اقترنت بشيءٍ خلال الاستقراء فإنّه لا يكفي هذا الاقتران لإثبات أنّ أحدهما سبب للآخر ، ما دام من الجائز أن يكون للظاهرة سبب آخر غير ملحوظ قد اقترن صدفةً بالشيء الملحوظ خلال الاستقراء . وإذا جاز نظريّاً تفسير الاقتران بين الحرارة والتمدّد في التجربة على أساس الصدفة ، جاز استعمال التفسير نفسه إذا تكرّر الاقتران في التجربة الثانية أيضاً ، لأنّ ما يجوز عقلًا في التجربة الأولى يجوز في التجربة الثانية أيضاً . وهكذا يظلّ احتمال الصدفة قائماً من الناحية المنطقيّة ، فلا يمكن للاقتران بين الظاهرتين - مهما تكرّر - أن يبرهن على السببيّة بينهما . ثالثاً : إذا أتيح للدليل الاستقرائي أن يثبت السببيّة العامّة في الطبيعة وأن يبرهن أنّ « أ » هو سبب « ب » التي اقترنت به خلال الاستقراء ، أي : أنّ الحرارة هي سبب التمدّد في الحديد مثلًا في الحالات التي شملها الاستقراء ، فيجب عليه أن يثبت أنّ هذا السبب سوف يظلّ في المستقبل وفي كلّ الحالات التي لم تشملها التجربة فعلًا سبباً لتلك الظاهرة ، إذ بدون إثبات ذلك لا يمكن أن نصل إلى تعميم شامل يؤكّد أنّه كلّما وجد « أ » في عالم الطبيعة اقترن به وجود « ب » . هذه مشاكل ثلاث يمكن أن تثار عادةً عند محاولة تفسير الدليل الاستقرائي وتبرير الطفرة التي يستبطنها .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 224 | السيد كمال الحيدري