تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
القضيّة التجريبيّة مستدلّة ومستنتجة من قضيّة أوّلية أساسيّة هي أنّ « الاتّفاق - أي الصدفة النسبيّة - لا يكون دائميّاً » . ففي ضوء هذه القضيّة الأساسيّة إذا لاحظنا الاقتران بين تمدّد الحديد والحرارة على خطٍّ طويل نستنتج أنّ الحرارة تسبّب التمدّد ، وأنّ الحديد يتمدّد بالحرارة دائماً ، لأنّ ذلك الاقتران لو كان صدفة لما تكرّر باستمرار على خطٍّ طويل ، وهكذا تصبح القضيّة الأوليّة الأصلية هي القضيّة القائلة : « إنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر باستمرار » بدلًا عن القضيّة القائلة : « إنّ الحديد يتمدّد بالحرارة » ، وتتحوّل كلّ القضايا التجريبيّة إلى قضايا ثانويّة مستدَلّة ومستنتَجة . ولكي ندرس هذا الموقف الذي ارتضاه المنطق الأرسطي في القضيّة التجريبيّة لابدّ من الوقوف على النظريّة التي يتبنّاها هذا المنطق إزاء مشكلة الطفرة من الخاصّ إلى العامّ ، التي تحتويها التعليمات الاستقرائيّة . يعتقد المذهب العقلي الذي يمثّله المنطق الأرسطي أنّ حصول التعميم في القضايا التجريبيّة من القضايا الجزئيّة المشاهدة والمحسوسة يتوقّف على أمرين : الأوّل : إثبات أنّ لكلّ ظاهرة طبيعيّة سبباً ، أي السببيّة العامّة ؛ إذ بدون إثبات ذلك يصبح من المحتمل أن يكون وجود التمدّد في الحديد غير مرتبط بأيّ سبب ، وإنّما هو وجود تلقائيّ . وإذا جاز أن يكون وجوداً تلقائيّاً بدون سبب ، فليس من الضروري أن يتكرّر إذا حدثت الحرارة مرّةً أخرى في الحديد . الثاني : إذا ثبت أنّ لكلّ ظاهرة طبيعيّة سبباً ، أي السببيّة العامّة ، فهذا يعني أنّ تمدّد الحديد الذي شوهد خلال التجربة مرتبط بسبب معيّن ، ولكن لا يكفي ذلك لإثبات أنّ سبب التمدّد هو الحرارة التي اقترنت بهذا التمدّد في كلّ التجارب المتعاقبة ، لأنّا إذا نظرنا من زاوية السببيّة العامّة فحسب ، نجد أنّ من الممكن أن يكون السبب الذي يرتبط به تمدّد الحديد شيئاً آخر في غير تعرّضه
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 223 | السيد كمال الحيدري