والحاصل : حينما نؤكّد أنّ بالإمكان تطبيق الاستدلال الاستقرائي على كلّ الأوّليّات الأرسطيّة إلّا في حدود هذين الاستثنائين ، لا نعني بذلك أنّ تلك القضايا استقرائيّة فعلًا وليس قبليّة ، وإنما نعني أنّ بالإمكان نظريّاً أن نفسّرها على أساس الطريقة التي حدّدناها للاستدلال الاستقرائي ، ولا ينفي هذا أن تكون قضايا أوليّة قبليّة .
القسم الثاني : القضايا التي يتوقّف إدراك العقل لها على الحسّ والتجربة ، وهي التجريبيّات والحدسيّات والمتواترات والمحسوسات .
القضايا التجريبيّة في ضوء المنطق الذاتي
يعتبر المنطق الأرسطي القضيّة التجريبيّة إحدى القضايا الستّ الأوليّة التي تشكّل نقاط ابتداء في المعرفة البشريّة الحقّة ، رغم أنّها تقع عادةً تلو عدد كبير من القضايا المحسوسة ، إذ ندرك بإحساسنا مثلًا أنّ هذا الحديد قد يتمدّد بالحرارة ، وأنّ ذاك الحديد يتمدّد بالحرارة ، وأنّ ذلك الحديد يتمدّد بالحرارة .
غير أنّ المنطق الأرسطي في تصنيفه للقضايا لا يعتبر القضيّة التجريبيّة مستنتجة من مجموع تلك القضايا المحسوسة لكي تصبح قضيّة ثانويّة وتفقد صفتها كقضيّة أوليّة ؛ وذلك لأنّ القضيّة التجريبيّة أكبر من مجموع تلك القضايا المحسوسة ، لأنّها تشتمل على التعميم لعدد أكبر من المحالات ، فلا يمكن أن تكون مستنتجة منها .
وقد اتّخذ المنطق الأرسطي موقفين إزاء هذه القضيّة :
الموقف الأوّل : موقفٌ معمّق يعتبر القضيّة التجريبيّة مستدلّة ومستنتجة من القضيّة القائلة ، « إنّ الاتّفاق لا يكون دائميّاً » .
الموقف الثاني : موقفٌ بدائيّ يعتبرها قضيّة أوليّة .
أمّا الموقف الأوّل : وهو كون القضايا التجريبيّة مستنتجة ، فهو الذي يعتبر