المنطقيّة ، إذ ما دامت الحالات التي لم يشملها الاستقراء تختلف في بعض الخصائص الملحوظة والمقوّمات عن الحالات التي استقرأناها ، فليس من حقّنا أن نستنتج استقرائيّاً أنّها جميعاً تشترك في إيجاد ظاهرة واحدة ، لأنّ من الممكن أن يكون اختلافها في الخصائص والمقوّمات سبباً لاختلاف نوع علاقتها بتلك الظاهرة . فإذا استقرأنا مثلًا كلّ أنواع الحيوان البرّي فوجدنا أنّها تحرّك عند المضغ فكّها الأسفل ، لم يكن بإمكاننا أن نعمّم هذه الظاهرة ( أي تحريك الفكّ الأسفل عند المضغ ) على حيوان بحريّ كالتمساح مثلًا ، لأنّ التمساح يختلف عن الحيوانات التي استقرأناها في الخصائص والمقوّمات ، فبالإمكان أن يختلف عنها في هذه الظاهرة أيضاً .
وأمّا استخدام الاستقراء للتعميم إلى الحالات المماثلة والمشابهة في كلّ الخصائص والمقوّمات الملحوظة فهو صحيح في المنطق الأرسطي ، ولكن هذا التعميم لا يقوم في رأيه على أساس مجرّد التجميع العددي للأمثلة والشواهد ، لأنّ مجرّد التجميع العددي للأمثلة لا يبرهن على أنّ الظاهرتين المقترنتين في تلك الأمثلة والشواهد خلال الاستقراء مرتبطتان برابطة السببيّة .
صحيح أنّ كلّ ظاهرة لابدّ لها من سبب وفقاً للمبدأ العقلي القائل إنّ لكلّ حادثة سبباً ، لكن ليس من الضروري إذا لاحظنا مجرّد التجميع العددي للأمثلة أن تكون إحدى الظاهرتين المقترنتين هي السبب للظاهرة الأخرى ، لأنّ اقترانها كما يمكن أن يكون من أجل سببيّة إحداهما للأخرى ، كذلك يمكن أن يكون مجرّد صدفة ويكون السبب شيئاً آخر غير ملحوظ لنا خلال الاستقراء .
وإذا عجز التجميع العددي للأمثلة عن إثبات السببيّة بين الظاهرتين ، يعجز أيضاً عن إثبات التعميم ، أي : تأكيد أنّ إحدى الظاهرتين سوف تقترن بالأخرى دائماً ، إذ ما دام من المحتمل أن يكون اقترانها خلال الاستقراء
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 227
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢٧