تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥

مهمّة المنطق الأرسطي

والمنطق الأرسطي لم يعالج على الصعيد المنطقي إلّا المشكلة الثانية من هذه المشاكل . أمّا المشكلة الأولى والثالثة فقد عولجتا فلسفيّاً على صعيد الفلسفة العقليّة التي يؤمن بها المنطق الأرسطي ، وذلك لإيمانه بوجود معارف عقليّة مستقلّة عن الحسّ والتجربة ، ومن أجل ذلك يتبيّن أنّ الفلسفة العقليّة هي التي تعالج تلك المعارف العقليّة القبليّة وتمارس استنباط معارف أخرى . وعلى هذا الأساس يعتمد المنطق الأرسطي على الفلسفة العقليّة ومفاهيمها عن السببيّة في حلّ المشكلة الأولى والمشكلة الثالثة . فبالنسبة إلى المشكلة الأولى تؤمن الفلسفة العقليّة بمبدأ السببيّة القائل أنّ لكلّ حادثة سبباً ، وتعتقد أنّه من المبادئ العقليّة المستقلّة عن التجربة والخبرة الحسيّة ، وعن طريق هذا المبدأ تتغلّب على المشكلة الأولى وتثبت أنّ الظاهرة الطبيعيّة المدروسة خلال الاستقراء لابدّ أن تكون مرتبطة بسبب . وبالنسبة إلى المشكلة الثالثة تؤمن الفلسفة العقليّة بالقضيّة القائلة : إنّ الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدّي إلى نتائج متماثلة ، وتعتقد أنّ هذه القضيّة عقليّة مستقلّة عن التجربة ومستنبَطة بطريقة برهانيّة من مبدأ السببيّة . فلهذا لا يجد المنطق الأرسطي على الصعيد المنطقي مشكلة أمامه سوى المشكلة الثانية وهي : كيف يستطيع أن يستدلّ بالاقتران بين ظاهرتين على السببيّة بينهما ، مع أنّ من المحتمل أن يكون اقترانهما مجرّد صدفة ؟ وإذا كان محتملًا فليس من الضروري أن يتكرّر اقتران إحدى الظاهرتين بالأخرى في المستقبل وفي كلّ الحالات التي لم يشملها الاستقراء . وقد اعترف المنطق الأرسطي بأنّ عمليّة الاستقراء وحدها لا تستطيع أن تتغلّب على هذه المشكلة وتثبت سببيّة إحدى الظاهرتين المقترنتين خلال الاستقراء للأخرى ، ولكنّه حاول التغلّب عليها عن طريق افتراض قضيّة
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 225 | السيد كمال الحيدري