تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
الاستقرائي خلافاً لذلك من الخاصّ إلى العامّ . ومن خلال ما تقدّم بيانه تتّضح الفوارق الإجماليّة بين الطريقين ، والتي نختصرها بما يلي : أوّلًا : إنّ المنطق الأرسطي دائماً يسير من الكلّيات إلى الجزئيّات . وبعبارة أخرى : إنّ النتائج في المنطق الأرسطي دائماً إمّا أصغر من المقدّمات ، وإمّا مساوية للمقدّمات ، ولا يمكن أن تكون أكبر منها . وأمّا في منطق الاستقراء تكون النتيجة - دائماً وأبداً - أكبر من المقدّمات ، كما في مثال قطعة الحديد وتمدّدها . والسبب في ذلك أنّ المقدّمات مجموعة من الجزئيّات ، والنتيجة كلّية ومن هنا وقع المنطق الأرسطي في حيرة في التجريبيّات ، فواحدة من اليقينيّات في المنطق الأرسطي المجرّبات ، وهي - كما في المثال التالي - : أن تأخذ حبّة دواء معيّنة وتعطيها لمريضٍ مصاب بالصداع ، فيشفى من صداعه . وكلّ العلوم الطبيعيّة قائمة على التجريبيّات ، والنتائج في التجريبيّات دائماً أكبر من المقدّمات - وهذا خلاف ما هو عليه المنطق الأرسطي - . من هنا فإنّنا لو سألنا المنطق الأرسطي بأنّه : كيف تكون النتائج في هذه القضايا التجريبيّة أكبر من المقدّمات ؟ فإنّه سيجيب : بأنّ المجربّات إن استبطنت القياس فهي تُنتج اليقين ، وإن لم تكن مستبطنة للقياس فإنّها لا تنتج اليقين . ولذا نجد أنّ العلوم الطبيعيّة بدأت - شيئاً فشيئاً - تنفصل عن المنطق الأرسطي ، لأنّ المنطق الأرسطي - بحسب هويّته وماهيّته - يختلف عن التجريبيّات ؛ ذلك أنّ النتائج في التجريبيّات تكون أكبر من المقدّمات ، خلافاً للمنطق الأرسطي فإنّ النتائج ليست كذلك ، بل هي إمّا أصغر أو مساوية . ومن هنا ذهب علماء الطبيعة إلى تأسيس منطق آخر لأنفسهم ، ولم يعتنوا
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 187 | السيد كمال الحيدري