والإشكال - كما هو واضح - مأخوذ من قوله تعالى : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ( الأعراف : 188 ) ، حيث إنّ العلم بالغيب يهدي الإنسان إلى كلّ خير ويجنّبه كلّ شرّ ، والعادة تأبى أن يعلم أحد الخير والشرّ ويهتدي إلى موقعهما ثمّ لا يستفيد من ذلك لنفسه ، فالإنسان إذا لم يستكثر من الخير ولم يقِ نفسه من الشرّ كيف يعلم الغيب ؟
والشواهد الدالّة على هذه الحقيقة كثيرة جدّاً ، فإنّهم مع علمهم بما يصيبهم إلّا أنّ ذلك لم يؤدّ بهم إلى تغيير ذلك المصير ، حيث أصيب النبيّ ( ص ) يوم أحُد ، وأُصيب الإمام عليّ ( عليه السلام ) في مسجد الكوفة وأودى بحياته ، واستشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ، وهكذا في سائر الأئمّة حيث سقوا السمّ كما في النصوص المعتبرة . فلو كانوا ( عليهم السلام ) يعلمون ما يجري عليهم لكان ذلك من أوضح مصاديق الإلقاء بالتهلكة التي نُهي عنها في قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ( البقرة : 195 ) .
وهنا ينبغي الإلفات إلى أنّ هذه الاعتراضات على علم أهل البيت ( عليهم السلام ) بالغيب ، ليست هي حديثة عهد ، وإنّما كانت مطروحة في زمن الأئمّة ( عليهم السلام ) ، من قبل أصحابهم :
عن الحسن بن الجهم قال : « قلت للرضا ( عليه السلام ) : إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد عرف قاتله والليلة التي يُقتل فيها والموضع الذي يُقتل فيه ، وقوله لمّا سمع صياح الأوز في الدار (
صوائح تتبعها نوائح
) وقول أُمّ كلثوم : ( لو صلّيت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلّي بالناس ) فأبى عليها ، وكثر
مقامات ومسؤوليات ائمة اهل البيت (ع) — صفحة 126
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٦