السيرين ، فالأوّل لا ينتج سوى صور ذهنية محضة بخلاف التحقّق فإنّه يقف بصاحبه على حقائق وجودية تكوينية ، ثمّ إنّ الأثر المترتّب على التحقيق أقلّي كما عرفت بخلاف الأثر المترتّب على التحقّق فإنّه دائميّ الوقوع والتحقّق خارجاً . ومظهرية السير العقلي تفترق كثيراً عن مظهرية السير القلبي الشهودي ، فمن أقام الدليل على العدل مثلًا لا يكون عادلًا
تبعاً لدليله ، بخلاف من شاهد وتحقّق بالعدل فإنّه يكون كذلك ، وهذا هو معنى كون نتائج التحقّق حقائق وجودية تكوينيّة .
* إنّ المنهج البحثي يختلف اختلافاً كبيراً عن المنهج القرآني في معرفة الله تعالى ، فالأوّل ينطلق من الآثار وصولًا إلى المؤثّر ، وهذا يعني أن يكون المستدلّ قد افترض في رتبة سابقة عدم وجود المؤثّر أو العلّة محاولًا إثبات ما فرض عدمه ضمناً بالأثر .
وهذا يتقاطع تماماً مع المنهج القرآني الذي ينطلق من حقيقة بتّية وهي المفروغية من وجود الله تعالى ووحدانيّته ثمّ يحاول أن يقدّم منبّهات على تلك المعرفة الفطرية ، وقد اعتمد في منبّهاته أقيسة منطقية منتجة ، فشابه بذلك المنهج البحثي صوريّاً ، وقد سلك العرفاء في منهجهم المعرفي جادّة القرآن في مفروغية وجوده سبحانه .
* إنّ المعرفة الحقّة هو أن يكون العارف مظهراً من مظاهر أسماء الله الحسنى وصفاته الأسنى ، وفي ضوء ذلك التحقّق المعرفي سوف يلتفت الشاهد عياناً إلى حقيقة وجوده التعلّقي الافتقاري الحرفي ، ثمّ يترقّى العارف في سيره التحقّقي حتّى يصل إلى رتبة لا يرى فيها حتّى وجوده التعلّقي الحرفي فيكون المشهود واحداً لا غير وتسقط الغيريّة تماماً مفهوماً ومصداقاً ، ولسان حال المتحقّق هو نداء الطرد التامّ لكلّ ما سوى المشهود
معرفة الله — صفحة 303
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٣