وتجرّد النفس عن المادّة وإن كان يمكّنها من الاطّلاع على السير الغيبي للأشياء والوقوف على حقائقها إلّا أنّ تجرّد النفس وحده لا يكفل لها تحقّق ذلك فلابدّ من ضميمة السلوك والتكامل الذي هي عليه ، فكلّما كانت النفس الإنسانية أكثر تكاملًا كانت أكثر قرباً من العوالم العلوية وفهماً
وتعاطياً معها .
ثمّ إنّ صدق الرؤيا يتناسب طردياً مع صدق الحديث كما أخبر بذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً » ، والرؤية هي الأخرى حديث بيدَ أنّها ليست بلفظ ، وقد عُبّر عنها بذلك قرآنياً ؛ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ « 1 » ، فمن صدق حديثه يقظة صدق حديثه نوماً ، وبهذه النكتة النبوية يتّضح لنا سرّ حصول الخلط والضغث في كثير من رؤانا .
* إنّ حبّ الله يكمن في معرفته الحقّة ، وغاية ظهور الممكن تجلية المعرفة في مكنونه ، (
ما خلق الخلق إلّا ليعرفوه
) و (
فخلقت الأكوان لأُعرف
) . فإذا ما اصطبغ الإمكان مطلقاً بوجه الواجب حصراً تكون خاتمة مطاف المعرفة الإمكانية وأوّل صفحات المعرفة الإلهية .
وهذه المعرفة الظاهرة بعد كمون خلاصتها التوحيد . فالمعرفة الإمكانية رجوع إلى حضيرة القدس ، والوصول هو إغلاق دائرة الغفلة بعين اليقظة والتذكّر حضوراً .
* إنّ المعرفة إمّا أن تكون ظاهرية حصولية أو باطنية حضورية ، والأولى مع الدليل القطعي تكون تحقيقيّة برهانية وبدونه تكون ساذجة ،
هامش
( 1 ) يوسف : 6 .