المحبّ موضوعاً فعليّاً للاصطفاء والاجتباء فيدخل العبد في حصن حصين وهو مقام المخلَصية بعدما كان متحقّقاً بمقام المخلِصية ، وذلك السقي الإلهي له لشراب طهور لا ظمأ بعده أبداً ، أي لا جهل ولا معصية بعده أبداً ، وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً « 1 » ، وهنالك ييأس الشيطان من إغوائه والنيل منه .
وهذه المرتبة الأعلائية من الإخلاص الحقّي تكمن في تخليص النفس من رؤيتها للإخلاص نفسه ، فتارةً يكون الإخلاص في العمل وهي مرتبة أدنى ، وتارةً يكون الإخلاص من العمل وهي مرتبة عالية ، وتارةً يكون الإخلاص في الخلاص من رؤية الإخلاص نفسه وهي المرتبة الأعلائية التي فيها يكون المخلِص مخلَصاً .
* ثمّ إنّ معرفة الله تعالى لا تُورث الحبّ له فحسب وإنّما تورث حبّ الله تعالى للعبد أيضاً ، وهذا ما استفدناه من كلمة الإمام الحسن عليه السلام : « من عرف ربّه أحبّه » ، فإنّ حبّ العبد لربّه وليد المعرفة به بلا ريب ، وهذا واضح ، ولكنّ غير الواضح هو ترتّب حبّ لله تعالى للعبد على معرفة العبد به ، وهذا ما أراد الإشارة إليه بقوله عليه السلام .
* إنّ الإخلاص والخلوص والاستخلاص بجميع مراتبه مشرعة أبوابه أمام القاصدين له الساعين لطرد الشوب المراقبين لأنفسهم بكرةً وأصيلًا ، والخروج من الشوب إلى دائرة الإخلاص لا يحدّ بزمان ومكان ، فربّما بعمل واحد يخلع فاعله جميع أثواب الغيرية وربّما بعشرات الأعمال لا يتقدّم فاعلها قيد أُنملة ، ولذا فالقليل من العمل بخلوص خير من كثير
هامش
( 1 ) الإنسان : 21 .