نكون قد وفّرنا المقدمة الأولى والأساسية في البعد والأثر المعرفي للإمام عليه السلام ، فإذا أضفنا إلى ذلك ما تقدّم بيانه من كونه يمثّل بنفسه مصدراً شرعياً ومدركاً فإنّه سوف يتّضح لدينا حدود هذه المصدرية وأهمّية هذه المدركية .
إنّ القرآن الكريم يُعدّ مصدراً معرفياً أساسياً كما أنّه يتضمّن حقائق كونية كبيرة وعظيمة ، إلّا أنّه لا يخرج عن دائرة الخزين المعلوماتي والاستعمال الآلي .
بعبارة أخرى : إنّه لا يملك القدرة أن يكون مؤثّراً وفاعلًا في الوجود بما هو موجود ، وإنّما يستفاد منه في التأثير بواسطة مؤثّر مدرك واقف على حقائقه ومراتبه ، فهو لغة التغيير وليس فاعل التغيير . وهذا المعنى منسجم تماماً مع كونه وجوداً صامتاً ، حيث عُبّر عنه في جملة من الروايات بأنّه قرآن صامت في قبال القرآن الناطق المتمثّل بأهل البيت عليهم السلام ؛ فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام : « ذلك الكتاب الصامت
أي القرآن
وأنا القرآن الناطق » « 1 » والذي نفهمه من الناطقية في المقام هو الفاعلية ، فهم عليهم السلام
القرآن الفاعل الذي يملك القدرة على التأثير بنفسه ولكن بإذن ربه ، كما هو واضح .
وهذا المعنى العميق لناطقيتهم وسعة تأثيرهم يجعل منهم الرقم الأوّل في مصادر المعرفة على مستوى التشريع وعلى مستوى التكوين وعلى مستوى الحاكمية ، لأنه فاعل على مدار هذه المستويات الثلاثة .
وهنالك معنى آخر في غاية الدقّة لمعنى الصامتية والناطقية في القرآن
هامش
( 1 ) انظر بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 39 ص 272 ح 48 .