هذا القليل ، فتضيق نفسه بما حمله من العلم ، فيحفر له حفرة ويُدلي رأسه فيها ثم يُحّدث الأرض بما حمله من العلم ، ثمّ يطمّ الحفرة فينفّس عن نفسه بذلك ، ويطمئنّ بأنّ الأرض تستر عليه ما أذاعه لها « 1 » ، وقد كان يفعل ذلك عملًا بنصيحة من الإمام الباقر عليه السلام .
فإذا كان جابر الجعفي على جلالة قدره وعظيم منزلته حيث كان من حفظة أسرار إمام زمانه لم يقف إلّا على القليل من معارفهم عليهم السلام التحقّقية فكيف بمن هم دونه ؟ !
وقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يؤلمه كثيراً ندرة طلبة العلم ، فيفصح عن أذاه لذلك بقوله : « أوّاه ، أوّاه
وأومأ بيده إلى صدره
إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو أجد له حَمَلة
. . . » « 2 » وفي رواية أخرى : « . . .
ولكن طلّابه يسير ، وعن قليل يندمون لو فقدوني » « 3 » .
لقد كانت الأمّة تجهل قدره أو تتجاهله ، وهذا الجهل والتجاهل الذي
أُسّس له من قبل يُعدّ من أعظم مظلوميات أئمّة أهل البيت عليهم السلام عموما والإمام أمير المؤمنين عليه السلام خصوصاً ؛ يُهضم حقّهم ويُجهل قدرهم .
ولقد كان عبد الله بن مسعود يقول : غدوتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فدخلتُ المسجد والناس أجفل ما كانوا ، كأنّ على رؤوسهم الطير ، إذ
هامش
( 1 ) الاختصاص ، المصدر السابق : ص 66 .
( 2 ) المعيار والموازنة لأبي جعفر الإسكافي المعتزلي ، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي ، الطبعة الأولى ، 1402 ه : ص 80 .
( 3 ) عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق ، تحقيق الشيخ حسين الأعلمي ، نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الأولى ، 1404 ه ، بيروت : ص 183