الوقت ويقرأ قوله تعالى : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ « 1 » بصوت شجيّ حزين ، فاستحسن كميل ذلك في باطنه وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً ، فالتفت صلوات الله عليه وآله إليه وقال :
يا كميل لا تعجبك طنطنة الرجل ؛ إنّه من أهل النار ، وسأنبئك فيما بعد .
فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه
ولشهادته بدخول النار مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة ، ومضى مدّة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل وقاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام وكانوا يحفظون القرآن كما أُنزل . فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً ورؤوس أولئك الكفرة الفجرة محلقة « 2 » على الأرض ، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال : يا كميل أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة فأعجبك حاله . فقبّل كميل قدميه واستغفر الله » . « 3 »
فالذين راعوا حدوده ، ووقفوا عند عجائبه ، وتفهّموا معانيه ، وحرّكوا به القلوب ووقفوا على إشاراته ولطائفه وحقائقه فأولئك هم حملة القرآن حقّاً ، المحفوفون برحمة الله تعالى ، الملبوسون بنور الله عزّ وجلّ ، وهم عرفاء أهل الجنّة ، وأشراف هذه الأمّة ، من ولاهم فقد والى الله ، ومن عاداهم فقد عادى الله تعالى ، الذين كحلوا أعينهم بالبكاء إذ ضحك البطّالون ، وأقاموا
هامش
( 1 ) الزمر : 9 .
( 2 ) في رواية أخرى : مخلفة . انظر : محبوب القلوب ، مصدر سابق : ص 498 ، المقالة الثانية .
( 3 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 33 ص 399 ح 620 .