السورة » « 1 » .
فهذا هو أصل الترتيل ، وأمّا مجرّد قراءته وحصر الهمّ بمخارج حروفه فذلك الذي أقام حروفه وضيّع حدوده ، وأمّا التلاوة الحقّة التي جاء ذكرها في قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ « 2 » ، فذلك مقام أرفع قد بيّنه
الإمام جعفر الصادق عليه السلام حيث يذكر لهم أوصافاً تسعة ، وذلك بقوله في ذيل هذه الآية الكريمة : « يرتّلون آياته ، ويتفهّمون معانيه ، ويعملون بأحكامه ، ويرجون وعده ، ويخشون عذابه ويتمثّلون قصصه ، ويعتبرون أمثاله ، ويأتون أوامره ، ويجتنبون نواهيه » « 3 » .
ثمّ يردّ عليه السلام على من توهّم تلاوته بمجرّد قراءته وحفظه ، إذ يقول : « ما هو والله بحفظ آياته وسرد حروفه ، وتلاوة سوره ودرس أعشاره وأخماسه ، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده ، وإنّما هو تدبّر آياته » « 4 » .
ولعلّ من أبلغ النصوص التي تكشف لنا النقاب عن الفرق بين تاليه حقّاً وبين من ألمّ بحروفه وضيّع حدوده ما أخبر به أميرُ المؤمنين عليه السلام كميلَ بن زيادٍ رضي الله عنه فإنّه عليه السلام خرج « ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره وقد مضى ربع من الليل ومعه كميل بن زياد ، وكان من خيار شيعته ومحبّيه ، فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك
هامش
( 1 ) النوادر لقطب الدِّين الراوندي ، دار الحديث ، الطبعة الأولى ، 1407 ه : ص 164 .
( 2 ) البقرة : 121 .
( 3 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر « مجموعة ورّام » للورّام بن أبي فراس المالكي الأشتري ، نشر مكتبة الفقيه : ج 2 ص 236 .
( 4 ) تتمّة الحديث السابق .