في قبال ركنية الإنسان وركنيّة العالم ، فإنّ الإنسان هو عالَم صغير جُمعت فيه حقائق العالم بأسره ، كما أنّ العالَم إنسان كبير اشتمل على ظهورات الإنسان بأسرها نزولًا وصعوداً ، وحيث إنّ القرآن هو الطرف الثالث في المعادلة فإنّ التداخل والتوحّد في أحكام هذه الوجودات الثلاثة ( الإنسان والعالم والقرآن ) سيكون أمراً طبيعيّاً ، فالقرآن رديف ثالث للإنسان جامع لحقائق الكون من جهة وحقائق القرآن من جهة أخرى ، والقرآن تكمن بين دفّتيه مراتب الإنسان وحقيقة وجوده .
بعبارة أخرى : إنّ العالم الآفاقي هو كلمة الله المفصّلة ، والعالم الأنفسي كلمته المُجملة ، والقرآن صورة ما في هذين العالمين إجمالًا وتطبيقاً . إنّها عوالم وجودية تتطابق فيما بينها وتنسجم غاية الانسجام . فكما أنّ القرآن الكريم يشتمل على حروف وكلمات وآيات فكذلك الإنسان والعالم فإنّهما يشتملان على حروف وكلمات وآيات وجودية تكوينيّة ، ولا يُميّز بعض هذه العوالم الثلاثة عن بعض سوى الإجمال والتفصيل والجامعيّة .
ومقتضى هذه الجامعية والوحدة في الأحكام أن يكون للقرآن ظهر وبطن كما أنّ للإنسان والعالم ظهراً وبطناً أيضاً .
كما أنّ مقتضى هذه الوحدة الحكمية أن يكون الإنسان بوجوده الأنفسي ، والعالم بوجوده الآفاقي ، والقرآن بوجوده الباطني كُتباً إلهيّة تكوينيّة وصحائف رحمانية دالّة على الله سبحانه وطرقاً إلى معرفته التحقّقية .
الآن وبعد ثبوت هذه الحقيقة القرآنية ينبغي لنا الوقوف قليلًا عند تصوير حقيقة الباطن وما يستتبعه من بواطن قد لا يكون لها حدّ ولا ينتهي فيها العدّ كما عرفت .
معرفة الله — صفحة 148
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٨