وبتلك القراءات المختلفة والمتنوّعة ، المتضمّنة هي الأخرى لقراءات بعدد المراتب المعرفية التي لا حصر لها ، فهي بعدد أنفاس البشر ، إذا كان القرآن كذلك وهو كذلك فحقّاً إنّه كتابٌ (
لا تحصى عجائبه ولا تُبلى غرائبه
) « 1 » .
ثانياً : القرآن بين الظاهر والباطن
تضافرت الروايات المعتبرة من كتب الفريقين معاً على أنّ للقرآن ظهراً وبطناً ، وأنّ لبطنه بطناً إلى سبعة أبطن .
وقد كانت لنا وقفة كريمة في إثبات هذه الحقيقة القرآنية في أبحاث أخرى « 2 » نُرجع القارئ الكريم إليها لنقف الآن معاً عند زوايا أخرى ونوافذ جديدة للموضوع نطلّ من خلالها على معانٍ جديدة في المقام .
إنّ القرآن الكريم فيه سور وآيات وكلمات وحروف ، وشمولية الظاهر والباطن القرآنيين لهذه المجالات الأربع .
توضيح ذلك : إنّ كلّ حرف قرآنيّ « 3 » يحمل معنىً خاصّاً به ، وهذا
المعنى
هامش
( 1 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 599 ح 2 .
( 2 ) انظر : تأويل القرآن ، النظرية والمعطيات للسيّد كمال الحيدري : ص 169 ، نشر دار فراقد ، الطبعة الأولى ، 1426 ه ، قم .
( 3 ) القدر المتيقّن من الحروف المعنيّة في المقام هي حروف المعاني ، وأمّا حروف المباني فإنّها لا تحمل معنىً خاصّاً بها ليكون لها ظاهر وباطن ، والله العالم ، والمراد من حروف المعاني ما لها معانٍ خاصّة بها ظاهرة بغيرها من قبيل : حروف الاستفهام والنصب والجرّ والجزم والمشبّهة بالفعل و . . . ، فإنّها وإن كانت لا تظهر معانيها مستقلّة بنفسها وإنّما بواسطة المعاني الاسمية إلّا أنّها لها معانيها الخاصّة بها ، فمعنى ( في ) وهو الظرفية خاصّ بها لا يُنسب إلى حرف ( من ) الدالّ على الابتداء ، وهكذا . /
/ وأمّا حروف المباني فالمراد منها ما تتشكّل منها الكلمة الواحدة ، من قبيل حرف ( الزاي ) في كلمة ( زيد ) فإنّه لا يحمل معنىً خاصّاً به ، بل إنّه لم يوضع لأيّ معنىً ، ولذلك لا يفرق مجيئه كثيراً في ( زيد ) أو في ( زَبَد ) .
وبعبارة أخرى : إنّ حروف المعاني كلمات تقع في عرض الأسماء والأفعال ، فهي قسيم لهما ، وأمّا حروف المباني فإنّها حروف الكلمات سواء كانت اسماً أو فعلًا أو حرفاً .
نعم ، ربما هنالك معانٍ خفيّة جدّاً لحروف المباني ، إن صحّ وجودها فهي صعبة المنال ، بل مستصعبة ، من قبيل أنّ حرف ( الزاي ) في كلمة ( زيد ) يحمل إشارة خاصّة به إذا جاء بعده حرف ( الياء ) ، وهذه الإشارة تختلف تماماً عن الإشارة التي يعطيها الحرف نفسه في كلمة ( زَبَد ) ، وهكذا فهو يُعطي إشارة أخرى إذا جاء بعده حرف ( الواو ) كما في ( زور ) . إنّها معاني إن قيل بها فهي متعسّرة جدّاً لا سيما وإنّ الكلمات لا حصر لها ، وإنّ اختلاف الإشارة بلحاظ نوع الحرف الثاني سوف يسري إلى ضرورة لحاظ الحرف الثالث ، وهكذا .
ولذا نجد أنّ ما هو في متناول الأيدي معنىً وفهماً هو خصوص حروف المعاني ، والله العالم .