وهؤلاء المجاهدون في الله تعالى إنّما استحقّوا الهداية إلى سبله الحقّة لأنّهم جاهدوا فيه ، ولذا لم تذكر الآية الكريمة بأنّهم جاهدوا في سبيل الله وإنّما عبّرت عنهم بأنّهم جاهدوا في الله تعالى ، وبين الجهادين فرق كبير .
يقول العلّامة الطباطبائي : « فرق بين أن يُجاهد العبد في سبيل الله وبين أن يجاهد في الله . فالمجاهد الأوّل يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه ، بخلاف المجاهد في الثاني فإنّه إنّما يريد وجه الله ؛ فيمدّه الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاصّ به ، وكذا يمدّه الله تعالى
بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتّى يختصّه بنفسه جلّت عظمته » « 1 » .
فالاقتران بينهما تصريحاً وتلميحاً حاصل وواضح في القرآن الكريم ، وكذلك الحال في السنّة الشريفة ، كما في قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : « المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين » « 2 » أي : المعرفة الأنفسية والمعرفة الآفاقية ، وقوله عليه السلام : « من عرف نفسه فهو لغيره أعرف » « 3 » ، وقد عرفت أنّ الآفاق هي كلّ ما هو خارج عن دائرة النفس ، وهو تعبير آخر عن الغير ، وقوله عليه السلام أيضاً : « كيف يعرف غيره من يجهل نفسه
؟ » « 4 » .
نريد أن نقف من خلال حقيقة الاقتران هذه على قضيّتين مهمّتين هما :
الأولى : تقدّم المعرفة الأنفسية على المعرفة الآفاقية رتبة .
الثانية : أشرفية المعرفة الأنفسية على المعرفة الآفاقية .
فقد تقدّم أنّ « المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين » ، بل إنّ « معرفة النفس
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 35 .
( 2 ) ميزان الحكمة ، مصدر سابق : ج 3 ص 1876 ح 12199 .
( 3 ) المصدر السابق : ج 3 ص 1877 ح 12216 .
( 4 ) المصدر السابق : ح 12209 .