لقد تعرّض القرآن الكريم لذكر هذين النوعين تصريحاً وتلميحاً ، أمّا التصريح ففي قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ « 1 » ، وقوله تعالى : وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ « 2 » .
وأمّا التلميح ففي قوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ « 3 » ، حيث ذهب جملة المفسّرين إلى أنّ المراد من الجهاد هو الجهاد الظاهري والباطني ، أو الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر ، وقد عرفت أنّ الجهاد الأكبر هو جهاد النفس ؛ يقول صاحب « التبيان » في ذيل الآية : « يعني جاهدوا الكفّار بأنفسهم ، وجاهدوا نفوسهم بمنعها عن المعاصي وإلزامها فعل الطاعة لوجه الله . . . » « 4 » .
بل إنّ جهاد النفس هو القدر المتيقّن من روح الآية الكريمة ؛ يقول العلّامة الطباطبائي في ذيل الآية : « فإنّ هذا الجهاد هو بذل الجهد ، ولا يكون إلّا فيما يخالف هوى النفس ومقتضى الطبع . . . » « 5 » .
فإذا حصل الاستنفار والجهاد الأكبر من الإنسان فإنّه تحصل لديه المعرفة الأولى وهي معرفة نفسه ثمّ المعرفة الثانية وهي معرفة الآيات الآفاقية ، وكلّ واحدة من هاتين المعرفتين هي سبيل وطريق إلى معرفة الله سبحانه ، ولذا عبّر عن النفس والآفاق بالسُّبل .
هامش
( 1 ) فصّلت : 53 .
( 2 ) الذاريات : 21 20 .
( 3 ) العنكبوت : 69 .
( 4 ) التبيان ، مصدر سابق : ج 8 ص 226 .
( 5 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 4 ص 20 .