تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
أمّا إشكالية هذا الحبّ فمفادها هو أنّ حبّ الإنسان لربّه هو تعبير آخر عن حبّه لكماله ؛ لما تقدّم من أنّ الإنسان مفطورٌ على حبّ الكمال وأنّ الله تعالى هو المصداق الأوحد للكمال المطلق ، فيكون الإنسان طالباً ومحبّاً له . وهذا ممكن جدّاً بحقّ الإنسان ، بل بحقّ جميع ما هو موجود في عالم الإمكان ؛ لأنّ موجوداته هي عين الفقر لا أنّها أشياء ثبت لها الفقر ، فالفقر ليس محمولًا عليها وإنّما هو ذاتها وموضوعها ، ولذا فطلبها للكمال ذاتيّ دائم لا ينقطع ، ومن الواضح أنّ الله تعالى هو محض الكمال وتمامه ومطلقه وهو الصمد المملوء وجوداً لا فراغ فيه وهو الفاقد لكلّ مفقود ، وغير المتناهي في وجوده وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وأنّ كلّ كمال دونه متناه مفتقر إليه ، فكيف يكون محبّاً لمخلوقاته ، بل كيف يصحّ منه ذلك وهي بأجمعها فقيرةٌ محتاجةٌ إليه ؟ بعبارة أخرى : إذا كان الحبّ هو طلب الكمال فأيّ كمال هو فاقد له حتّى يطلبه ويُحبّه ؟ فالحبّ ممكن بل واقع من فاقد الكمال لكماله ، وهذا المعنى محال من واجد كلّ كمال لفاقده . الجواب عن ذلك هو أنّ الحبّ أمرٌ وجوديّ يربط بين شيء وآخر ، بل إنّ الحبّ يمثِّل درجة شديدة من وجود كلّ موجود ، فإذا كان الحبّ يمثّل درجة وجودية في ذات كلّ موجود فإنّ كلّ موجود سوف يكون محبّاً لذاته ، وإذا كان محبّاً لذاته فإنّه سوف يكون محبّاً لكلّ ما يتعلّق بذاته ووجوده الذي هو محبوبٌ له ، ومن تلك الأمور المتعلّقة به آثاره وأفعاله ، ولا ريب أنّ المخلوقات هي الآثار الفعلية لله تعالى ، ولذا فهو يحبّ مخلوقاته ، فإذا كانت مخلوقاته مطيعة حسن الأفعال فإنّها سوف تكون محبوبةً لله تعالى ذواتٍ وأفعالًا ، وإلّا فإنّها سوف تكون محبوبة الذوات إليه لأنّها من متعلّقاته وشؤونه مبغوضة الأفعال له ، فلا تُوجد ذات في الخلق مبغوضة إليه تعالى
معرفة الله — صفحة 81 | السيد كمال الحيدري