وفي ضوء ما تقدّم يتبيّن لنا أنّ اليقين البحثي العقلي هو غير اليقين النصّي القرآني ، فالمتحقّق بالأوّل هو صورة الشيء ، والمتحقّق بالثاني هو
معاينة الشيء أو ملامسته ومعايشته فضلًا عن معاينته .
وإذا ما أُطلق اليقين في النصوص القرآنية فإنّ المراد منه هو القسم الثاني الشامل لصورتيه العينية والتحقّقية ما لم تكن هنالك قرائن داخلية أو خارجية تحفّ النصّ فتصرف اللفظ إلى معنىً آخر ؛ قال تعالى : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ « 1 » ، فهنا علّق الإيقان على مشاهدة عالم الملكوت الذي تحصل فيه معاينة الحقائق الكونية فيصير الباطن ظاهراً ، والغيب حاضراً ومُشاهَداً .
وقال تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ « 2 » ، فبذلك الإبصار الملكوتي صار أولئك المجرمون موقنين ، وهذا الإيقان الملكوتي يُوجِد الداعي التكويني للتغيير والتبدّل من شأن إلى شأن ومن حال إلى حال ، بخلاف اليقين البحثيّ العقليّ فإنّه لا يعصم صاحبه ولا يحمل ضمانة الأخذ بصاحبه إلى الجادّة والمحجّة البيضاء ، فكثيرٌ أُولئك الذين كانوا على يقينٍ بحثيّ في موارد عديدة فلم يحملهم يقينهم هذا على الطاعة ولم يردعهم عنً فعل المعصية « 3 » ، وخير شاهد على ذلك هو أنّ كثيراً من المسلمين فضلًا
عن
هامش
( 1 ) الأنعام : 75 .
( 2 ) السجدة : 12 .
( 3 ) فأعيان قريش مثلًا كانوا يعلمون جيّداً أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله هو الصادق الأمين ، وأنّه لو أخبرهم بما هو كائن وراء الجبل لقبلوا بقوله ، ولكنّ علمهم هذا لم يمنعهم من شنّ حرب عليه لا هوادة فيها ، فلم يزالوا على ذلك حتّى قصم الله / / تعالى جبابرتهم وعُتاتهم ، وهكذا الحال في ثلّة كبيرة ممّن كان يجلس تحت منبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ويعلم صدقاً وحقّاً بمكانة أمير المؤمنين عليه السلام وحقّه الماضي وشأنه العالي ولكنّ هذا العلم البحثي لم ينقذ أولئك البائسين من بؤسهم فشنّوا الحرب عليه لقتل شخصيّته تارةً وأُخرى لقتل شخصه ، فأوقعوا الأُمّة في فتن كقطع الليل المظلم فلم يُبقوا لأنفسهم سابقة ولا لاحقة ، فمعاوية مثلًا كان يعلم جيّداً أنّه هو وشجرته الملعونة في القرآن لا يعدلون جنح بعوضة في قِبال أمير المؤمنين عليّ وشجرته الطيّبة ، ولكنّه مع كلّ ذلك فعل ما فعل وصنع ما صنع ، وقد كان يقول للمغيرة بن شعبة عندما نصحه بأن يصل بني هاشم بعد أن فتك بهم ( إنّ ابن أبي كبشة يقصد النبيّ الأكرم صليالله عليه وآله ليُصاح به كلّ يوم خمس مرّات أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فأيّ عمل يبقى وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك ، لا والله إلّا دفناً دفناً ) . انظر : النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية ، لمحمّد بن عقيل ، نشر دار الثقافة ، الطبعة الأُولى ، 1412 ه : ص 124 .
ويقصد بالدفن هو إماتة الحقّ والحقائق وإبدالها بالبدع والزور والباطل .
وهل هنالك أوضح وأجلى من خروج العتاة الأدعياء المجرمين لقتال سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام ، فقتلوه وهم يعلمون أنّه ابن رسول الله وخامس أصحاب الكساء وأنّه الوصيّ والإمام المفترض الطاعة ، وقد روي أنّ الدعيّ الخبيث شمر بن ذي الجوشن كان يقف على صدر سيّد الشهداء عليه السلام ويقول : أقتلك وأعلم أنّك ابن رسول الله .