ومن ألطف تطوّرات هذا الموقف وصفه معارضة الصحابة والتابعين لتولية يزيد على أنها نقاش وحوار طويل بين المؤيّدين والمعارضين لولاية العهد وأن ذلك يدلّ دلالة واضحة على أن تلك التولية جاءت وفقاً لأصول الشورى الشرعية في جوٍّ يسوده احترام الرأي وإكرام شخصية الممانع « 1 » .
بل وتطوّر موقف هذه المدرسة أكثر من ذلك ! « 2 » حتى باتت شخصية يزيد الأوفر حظّاً في هذا المنصب بالقياس إلى جميع مجايليه حتى لو افترضنا أن الأمر لم يكن شورى ! ! « 3 » بل إن عدول أبيه عن هذه الصيغة إنما كان
هامش
( 1 ) صحيح وضعيف تاريخ الطبري ، ج 4 ، ص 63 . وعن هذه الأجواء المثالية نقل كبيرهم في هذه المدرسة أبو الفداء ابن كثير في أحداث سنة ست وخمسين عن طريق الشعبي ما يلي : ( وكانت هذه السنة ، شرع معاوية في نظم البيعة ليزيد والدعاء إليها ، وعقد البيعة لولده يزيد ، وكتب إلى الآفاق بذلك ، فبايع له الناس في سائر الأقاليم ، إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وابن عباس ، فركب معاوية إلى مكة معتمراً ، فلما اجتاز بالمدينة مرجعه من مكة استدعى كلَّ واحد من هؤلاء الخمسة ، فأوعده وتهدّده بانفراده ، فكان من أشدّهم عليه ردّاً وأجلدهم في الكلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق ، وكان ألينهم كلاماً عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثم خطب معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره ، وبايع الناس ليزيد وهم قعود ، ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافاً ؛ لما تهدّدهم وتوعّدهم ، فاتّسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد ، ووفدت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد ) . راجع : ابن كثير ، البداية والنهاية ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 307 .
( 2 ) انظر التعليقات التي كتبها محبّ الدين الخطيب على كتاب ( القواصم من العواصم ) المتقدّم ذكره ، لا سيما تلك التي كتبت في الصفحات : 201 - 232 .
( 3 ) العواصم من القواصم ، ص 215 ( التعليق ) .