الترك أو الفعل ، فعدل إلى ولاية ابنه وعقد له البيعة وبايعه الناس ، وتخلّف عنها من تخلّف ، فانعقدت البيعة شرعاً ، لأنها تنعقد بواحد وقيل باثنين .
فإن قيل : لمن فيه شروط الإمامة ، قلنا : ليس السنّ من شروطها ولم يثبت أنه يقصر يزيد عنها .
فإن قيل : كان منها العدالة والعلم ، ولم يكن يزيد عدلًا ولا عالماً . قلنا : وبأيّ شيء نعلم عدم علمه ، أو عدم عدالته ؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء « 1 » الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل ، وإنما رموا إلى الأمر
هامش
( 1 ) يقصد بهم - بناء على ما تقدم من كلامه - : عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر . . وليلاحظ القارئ الكريم نمط هذا الاستدلال ثم ليقيّم تلك الشبهة الواهية التي تقول : إن بوسع الإمام الحسين ( عليه السلام ) السكوت عن يزيد مطلقاً أو حتى تكتمل له أسباب القوّة ثم يثور عليه حينها ، وكيف سيفهم من سكوته أنه منحٌ للشرعية وموافقة على ولاية يزيد ، فحتى امتناع هؤلاء الثلاثة عن البيعة تمّ تأويله إلى أنه مجرّد اعتراض على طريقة التولية وأنهم أرادوها شورى وليس ولاية عهد ولم يكن اعتراضهم على نفس يزيد وأهليّته وعدالته وعلمه ؟ !
وقد كرّر هذا الموقف كل من تأخَّر على ابن العربي وصولًا إلى المتأخّرين من هذه المدرسة ، قال ابن خلدون في ( تاريخه ) في الفصل الذي عقده ل - ولاية العهد وهو يتحدث عما فعله معاوية من عهده لابنه يزيد :
( كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجّة في الباب ؛ والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذٍ من بني أمية ؛ إذ بنو أمية يومئذٍ لا يرضون سواهم ، وهم عصابة قريش ، وأهل الملّة أجمع ، وأهل الغلب منهم ، فآثره بذلك دون غيره ممن يظنّ أنه أَولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهمّ عند الشارع . وإن كان لا يظنّ بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك ، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه ، فليسوا ممن يأخذهم في الحقّ هوادة ، وليس معاوية ممن تأخذه العزّة في قبول الحقّ ، فإنهم كلّهم أجلّ من ذلك وعدالتهم مانعة منه ) ( تاريخ ابن خلدون ، ج 1 ، صص 210 - 211 ) . وهو ما قاله المعاصرون من هذه المدرسة كما سيتضح لاحقاً .
السؤال هنا هو : فكيف سيكون الحال مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) لو فعل ما يطالب به أصحاب الشبهة المتقدّمة ؟ ! ألا يفسَّر حينئذٍ بأنه اعتراف بشرعية وصحّة النهج والخطّ الأموي بكامله ؟ !