هذه ( الملاحظة / المفارقة ) التي وقع فيها الأشعري - بحسب مثالنا - هي تحديداً ما يقع فيه الشيخ ابن تيمية وهو يناقش مدرسة أهل البيت عليهم السلام . كيف يفعل ابن تيمية ذلك ؟ القارئ يستطيع أن يلاحظ أن ابن تيمية بدل أن يلتزم بالمناقشات التي يذكرها ، ومن ثم يتحمّل ما يتفرّع عنها من نتائج ، نراه يستفيد من تلك المناقشات من جهة ، ويتنصّل من نتائجها من جهة أخرى . نجد أن الرجل يضع آراءه على لسان آخرين فيقول مثلًا : ( إذا عارض معارض ) أو ( لو عارض هذا معارض ) أو ( هذا معارض بمن يقول ) أو ( لو قال قائل ) أو ( للناصبي أن يقول ) . . . وأمثال ذلك . فيستفيد من أقوال هؤلاء في معارضة خصمه ومحاججته وفي نفس الوقت يحاول أن يوحي لقارئه أنه لا يتبنّى آراءهم .
قد يبدو للبعض أن هذا الأسلوب هو نفسه الأسلوب الذي تزخر به مصنّفات المسلمين حين يفترض المؤلّف اعتراضاً مقدَّراً فيتناوله ثم يجيب عليه فيقول : ( إن قيل كذا . . قلنا ) أو ( لا يقال إن . . لأننا نقول ) . . . وبالتالي فهذا ليس أسلوباً جديداً يختصّ ابن تيمية به وحده .
ولكن الأمر ليس كذلك ؛ إذ ابن تيمية لا يفترض الاعتراض ليردّ عليه وإنما هو يطرح الاعتراض ليتمسّك به في نقض ما يقوله خصمه . إنه يمرّر آراءه الخاصة في هذا المجال ولا يريد للقارئ أن يلزمه بنتائج هذه الآراء بحجة أنها ليست من أقواله وإنما من أقوال ( معترض ما ) أو ( قائل ما ) ، وهذه حجّة يتذرّع بها لأنه على علم أن عموم المسلمين لا يؤمنون بما يقوله ، ويرونه كلاماً باطلًا لا يجرؤ على التفوّه به إلا من هو مدخول في دينه ، متّهم في عقيدته ، لاسيَّما وأن الشيخ ابن تيمية - وسيلاحظ القارئ ذلك بنفسه - لا يعارض خصمه في أمثال هذه الموارد إلا بما هو معروف من آراء ومعتقدات
معالم الإسلام الأموي من القدح في العترة النبوية الطاهرة إلى استباحتها — صفحة 222
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢٢