استحال النقاش وأصبح مجرَّد جدال عقيم لا طائل من ورائه .
لا تنفصل النقاشات في الدائرة الإسلامية عن هذه الملاحظة . فما من متحاورين إلا ويوضح كلّ طرف منهما للآخر - وقبل أن يبدآ بالنقاش - المدرسة التي ينتمي إليها أو الاتجاه الذي يتبنّاه ، أو على الأقلّ الأصول والمواقف التي يؤمن بها شخصياً ، فإن وافقه محاوره على تلك المقدّمات انتقلا معاً إلى ما تستلزمه تلك المقدّمات من نتائج أو ما يتفرّع عنها من أسئلة وإشكاليات ، وإن لم يوافقه عليها كان عليه أن يوضّح محلّ تحفّظه منها ، قبل أن يستمرّ النقاش . . . وهكذا يتواصل البحث .
بالنسبة للشيخ ابن تيمية ، فإن من المفترض أنه ينطلق من مدرسة أصحاب الحديث ( وهو يصفهم بأهل السنّة والجماعة ويعتبرهم الممثّلين الشرعيين للإسلام دون من سواهم ) إلا أننا لا نجده وفيّاً في مناقشاته لمنطلقاته تلك ، وكثيراً ما يحاول أن يُلزم خصمه بنتائج أفكار مدارسٍ إسلامية أخرى لا يؤمن بها هو بحسب انتمائه المعلن ، كما أن خصمه لا يُسلِّم له بصحّتها .
لنوضح هذه المفارقة أكثر !
لو افترضنا أن نقاشاً جرى بين متكلّم معتزلي وآخر أشعري ، وأخذ الأشعري ينقض آراء المعتزلي بأقوال ومعتقدات شخص ثالث هو شيعي إمامي ، لكان من حقّ المعتزلي أن يعترض ويقول : إنك أيها الأشعري أخرجت النقاش إلى حيث لا ينبغي ؛ إذ لو كان نقاشي مع الشيعي الإمامي لكان لي معه كلام آخر ، ولكانت بدايتي في النقاش مختلفة والأسس التي أنطلِقْ منها غير تلك التي أقمتّها في مناقشتك ، وعليه لا يحقّ لك محاججتي بفروع أصولٍ لا أؤمن بها ( الأصول ) ولم نحرّر النزاع في صحّتها سلفاً .
معالم الإسلام الأموي من القدح في العترة النبوية الطاهرة إلى استباحتها — صفحة 221
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢١