مسألة تعاليم دين الإسلام ومفاهيم الإسلام وقيمه ومعاييره في الولاء والتبري ؟ مَ الذي يفترض بالمسلم أن يفعله في مثل هذه الحالة ؟ هل يدمج علياً عليه السلام في صراعات السلطة ويجعله نظيراً لمعاوية ، وبالتالي يتخلّى عن كلّ التراث النبوي الوارد في حق علي عليه السلام وحبّه ، والحثّ على تولّيه والانتماء إليه ؟ أم يفضح معاوية ومخططاته الخبيثة وردّه على مبادئ الإسلام وتعاليم رسوله العظيم صلى الله عليه وآله ؟
الجواب على هذا السؤال هو ما يحدّد معنى النصب هنا .
ولن يخفى على القارئ الكريم الطرَف الذي اختار الذهبي أن يكون فيه . بل إنه لا يكتفي بذلك وإنما يصرّح باستغفاره وحبّه للبغاة وترحّمه عليهم فيقول مواصلًا عبارته السابقة أيضاً :
فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمانٍ قد انمحص فيه الحقّ واتضح من الطرفين ، وعرفنا مآخذ كلّ واحد من الطائفتين ، وتبصّرنا ، فعذرنا ، واستغفرنا ، وأحببنا باقتصاد ، وترحّمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة ، أو بخطأٍ إن شاء الله مغفور ، وقلنا كما علَّمنا الله : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا ) « 1 » .
فالذهبي " المتبصّر " قادته بصيرته أن يكتفي مع علي عليه السلام بأن يحبّه ب - ( اقتصاد ) . أما معاوية ، فهو وإن كان باغياً - كما يعترف الذهبي نفسه - إلا أنه باغٍ ب - ( تأويل سائغ في الجملة ) أو ب - ( خطأٍ إن شاء الله مغفور ) ؛ ولذا فهو معذور عنده ، كما أنه - أي الذهبي - طالبٌ له المغفرة ، مترحّم عليه ، لا يفتأ يدعو الله أن لا يجعل في قلبه غلّا له لأنه من ( الذين آمنوا ) .
هامش
( 1 ) الذهبي ، شمس الدين ، سير أعلام النبلاء ، مصدر سابق ، ج 3 ، ص 128 .