تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
والتدوين ، يعود بنا إلى الحديث عن مشكلة التضخّم المعرفي التي تحدّثنا عنها في أكثر من مناسبة وذكرنا أنّ من أسبابها : أوّلًا : ازدياد عدد النخبة نظراً لازياد عدد السكان ، وثانياً : ازدياد الأنواع والتخصصات المعرفيّة بتقدّم المعرفة . وهنا نودّ أن نقول : إنّ أحد أهمّ الأسباب التي تزيد من وطأة مشكلة التضخم المعرفي على القارئ المتخصّص هي حالات التقليد والاجترار المعرفي - التي انتقدها السيّد الحيدري بشدّة كما أوضحنا ذلك في الأبحاث السابقة - التي تعاني منها أغلب المؤلّفات ؛ إذ إنّ أغلب رجال النخبة تتوفّر لديه على الدوام الرغبة في التأليف ، كما هو واضح ، ولا مشكلة في ذلك فلا تقدّم معرفي بدون ما تقدّمه النخبة ، ولكن المشكلة تكمن في أنّ أغلب هذه المؤلّفات ليست إلّا اجترارت لمؤلّفات سابقة وتقليداً أعمى لها . إنّ بعض رجال النخبة وإن كان يمتلك عقلًا قارئاً إلّا أنّه لا يمتلك عقلًا واعياً ، وهذا بالتأكيد يؤدّي إلى استنساخ المعرفة لا التجديد فيها . كتب المرحوم محمّد جواد مغنية : وأيضاً أيقنت - وأنا ماض في تفسير آي الذكر الحكيم - أنّ أيّ مفسّر لا يأتي بجديد لم يسبق إليه ، ولو بفكرة واحدة في التفسير كلّه ، أيقنت أنّ هذا المفسّر لا يملك عقلًا واعياً وإنّما يملك عقلًا قارئاً ، يرتسم فيه ما يقرأه لغيره ، تماماً كما ترتسم صورة الشيء في المرآة على ما هو من لون وحجم - ذلك أنّ معاني القرآن عميقة إلى أبعد الحدود ، ولا يبلغ أحد نهايتها مهما بلغت مكانته من العلم والفهم ، وإنّما يكتشف منها ما تسعفه معارفه ومؤهّلاته ، فإذا وقف المفسّر السابق عند حدّ من الحدود ، ثمّ جاء اللاحق وترسّم خطاه لا يتجاوزها ، ولو بخطوة واحدة كان تماماً كالأعمى يتوكّأ
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 308 | السيد كمال الحيدري