الأمر ليس له صلة بالنتاج البشري ، بدليل أنّ المستوى الفنّي في الخطابين متقارب ، بل هما واحد ، مع أنّ التجربة البشريّة للفرد على مساحة ربع قرن تكشف لنا عن بونٍ شاسع بين السابق منه واللاحق ، وهذا واضح .
وعلى أيّ حال ، فرغم ما تقدّم من عدم التسمية الشرعيّة لاصطلاح المكّي والمدني ، وما أثاره من شبهات ، فإنّ موضوعة المكّي والمدني هي من البحوث المتميّزة التي تترتّب عليه ثمرات مهمّة ، أهمّها الثمرات الفقهيّة ، كما سيأتي .
خلفيّة تقسيمات المكّي والمدني
وفي ضوء المكّي والمدني تمّ تقسيم القرآن إلى شطرين في ضوء النزول المكاني ، أو الزماني ، أو الخطابي ، فعلى المكاني يكون المكّي ما نزل في مكّة ، وإن كان ذلك بعد الهجرة ، وهو أمرٌ ممكن ، بل وواقع أيضاً ، ويكون المدني ما نزل منه في المدينة ، وعلى الزماني فذلك بمقياس الهجرة ، فما نزل قبل الهجرة فهو مكّي ، وما نزل بعد الهجرة فهو مدنيّ وإن نزل بمكّة ، من قبيل ما نزل عليه ( ص ) في عام فتح مكّة ، وفي غدير خم بعد حجّة الوداع مُباشرة ، وهذا واضح .
وأمّا التشطير الخطابي للمكّي والمدني فيُراد به أنّ ما وقع منه خطاباً لأهل مكّة فهو مكّي ، وما وقع منه خطاباً لأهل المدينة فهو مدنيّ ، وهو قول لا يُعتدّ به ، بل ولا مجال للقبول به ، لأنّ القرآن الكريم لم يخُاطب جهة بعينها ، وإنّما خاطب الإنسان في كلّ زمان ومكان .
وعلى أيّ حال ، فإنّ التشطيرين الأوّلين يمكن أن ينتهيا بنا إلى نتائج مختلفة ، ولو على مستوى الظاهر ، من قبيل أنّ الآية الكريمة : يَا أَيُّهَا