في العملية التفسيرية .
خامساً : المُعطى النهائي لا بدَّ أن يُمثّل الموقف القرآني ، بمعنى أنّه يُمثّل النظريّة القرآنيّة لا الموقف الجزئي المحدود ، وعليه فكلّ موقف جزئيّ محدود لا يُمكن بأيِّ حال إطلاقه على الرؤية القرآنيّة ، ولا ريب بأنَّ هذه النكتة رغم وضوحها إلّا أنّها في غاية التعقيد ، ولعلّ كثيراً ممنَّ تصدّوا للعمليّة التفسيريّة موضوعيّاً يتوهَّم بأنّه تمكَّن من استجلاء الموقف القرآني ، في حين إنه لم يُغادر حدود الدائرة الجزئيّة .
هذا ، ولابدّ أن ننبه إلى المسألة التي تُثير أمامنا حقيقة الخلط الذي وقع فيه البعض ممَّن تصدّوا للعمليّة التفسيريّة بأُسلوبها الموضوعي ، حيث نُطالع أحياناً موضوعات تفسيريّة بأسماء سور تأخذ عنوان التفسير الموضوعي ، ويُدَّعى لها ذلك ، من قبيل تفسير سورة الفاتحة تفسيراً موضوعيّاً ، أو تفسير سورة يوسف ، أو تفسير سورة الكهف ، وغير ذلك ، فمن الواضح بأنَّ هذه السُّوَر لا تُفسَّر بنفسها تفسيراً موضوعيّاً ، لأنّها لا تمثّل إشكاليات معرفيّة بنفسها ، وإنّما ما تُثيره من موضوعات مهمّة يُمكن أن تُفسَّر موضوعيّاً .
وهذا الخلط بين عنوان السورة وموضوعاتها يكشف لنا مقدار الإبهام الذي يحيط بهذا الأُسلوب التفسيري « 1 » بل إنَّ كثيراً ممَّن تصدّوا للعمليّة
هامش
( 1 ) كنّا قد تعرضنا لذلك في بيانات الجزء الأوّل من هذا الكتاب ( منطق فهم القرآن ) ، حيث ذكرنا هنالك بأنَّ من أسباب عزوف الكثير عن تفسير القرآن موضوعيّاً رغم ما فيه من امتيازات معرفيّة وعلميّة : شدّة تعقيده ، وإبهام آلياته ، بمعنى أنَّ كثيراً من العازفين عن هذا الأُسلوب يمنعهم قصر الباع ، والعادة اقتضت السير باتجاه الأمور اليسيرة المنال ، ولذلك نرى بأنَّ التفسير الموضوعي هو محطّة اختبار حقيقيّة للمواهب التفسيريّة ، وأنَّ هذا الأُسلوب يقي العمليّة التفسيريّة بصورة جادّة من كثير من الصور التكراريّة والاجتراريّة . ( السيّد الحيدري )